فرّ الطبيب حسن فقيه ومئات الآلاف من اللبنانيين من جنوب البلاد هرباً من الحرب المدمّرة، لكنهم واجهوا عائقاً جديداً: رفض معظم الفنادق والعاملين بقطاع العقارات استقبالهم. يرجع الرفض إلى الخوف من أن يستهدف الجيش الإسرائيلي الفنادق والعمارات السكنية التي يقيم فيها هؤلاء النازحون، خاصة بعد أن قصفت إسرائيل فندقين في بيروت ومحيطها منذ بدء الحرب مع حزب الله في 2 مارس 2026.
يقول فقيه لوكالة فرانس برس بحزن “لم أترك أحداً أو مكاناً لم أسأل فيه عن شقة، بحثنا في مناطق عدة، ولم نلقَ تجاوباً”، مضيفاً “كانوا يرفضون تأجيرنا أو يطلبون أسعاراً تعجيزية”. اضطر فقيه في النهاية إلى فصل عائلته عن نفسه، حيث أرسل زوجته وأطفاله للعيش مع ابنه في غرفة صغيرة بالقرب من جامعته شمال بيروت، بينما يعيش هو وحده بالقرب من المستشفى التي يعمل فيها.
شردت الحرب أكثر من 830 ألف شخص من منازلهم
أسفرت الحرب بين إسرائيل وحزب الله عن نزوح ضخم لم يشهده لبنان منذ سنوات. شردت الحرب أكثر من 830 ألف شخص حسب الإحصاءات الحكومية، يقيم 130 ألف منهم في مراكز إيواء رسمية. لجأ البقية إلى استئجار شقق أو غرف في فنادق، أو توجهوا إلى منازل الأقارب والأصدقاء.
لكن هذا الخيار الأخير أصبح أصعب بعد أن بدأت المخاوف الأمنية تسيطر على السكان. قال أحد سكان منطقة الحمرا في غرب بيروت لوكالة فرانس برس أن قاطني بنايته رفضوا استقبال أقارب جيرانهم النازحين من الجنوب، خوفاً من أن تستهدفهم إسرائيل. وأوضح الرجل الذي طلب عدم كشف هويته “نشعر بآلام النازحين، لكن غلطة صغيرة قد تتحوّل إلى كارثة”.
خيام على الشاطئ والنوم بالسيارات
لجأ الكثيرون إلى بدائل أخرى أقل أماناً وراحة. أقام عدد كبير منهم خياماً قرب شاطئ البحر المتوسط أو في شوارع بيروت، بينما ينام آخرون داخل سيارتهم. تعكس هذه الصور الواقع المأساوي للنازحين اللبنانيين الذين تجدهم الفنادق والعقارات خطيرة على السكان.
عمليات تمييز حسب النوع والسن والخلفية
بدأ أصحاب الفنادق بوضع معايير تمييزية لتأجير غرفهم. يدير علي سرحان شققاً فندقية في منطقة الحمرا بات يرفض تأجيرها لرجال في منتصف العمر. يقول صراحة “فقط للنساء وكبار السن، أو لرجال أعرفهم مسبقاً”. وأضاف أنه عندما تأتيه عائلة تريد استئجار شقة، يسأل أفرادها عن عملهم وأصلهم “لأتأكد من خلفيتهم”.
تعكس هذه الممارسات التمييزية مستوى الخوف الذي استبد بالقطاع السكني اللبناني وسط الحرب المستمرة.
المخاوف من الخلايا الأمنية
يعترف علي سرحان أن القلق الرئيسي هو وجود ما يسمى “خلايا أمنية” أو أشخاص يعملون ضد السلطات اللبنانية من بين النازحين. يقول رئيس نقابة أصحاب الفنادق بيار الأشقر لفرانس برس إن الوضع الجديد يملي “إجراءات أشد صرامة”، مضيفاً “نواجه خلايا أمنية خارجة عن القانون يقومون بإدخال مجموعات معروف أنهم مستهدَفون من إسرائيل ويعرّضون الفنادق للقصف”.
البلديات تفرض متطلبات أمنية على المستأجرين الجدد
اتخذت عدة بلديات لبنانية إجراءات صارمة لمراقبة النازحين. أعلنت بلدية بكفيا شمال شرق بيروت “منعاً باتاً تأجير أو إيواء أي شخص ولو كان على سبيل التسامح أو بسبب روابط عائلية أو صداقة شخصية قبل إبلاغ البلدية والحصول على موافقتها المسبقة”.
في ضاحية بيروت الشمالية، أصدرت بلدية الدكوانة تعليمات مشابهة خشية وجود “طابور خامس” بين النازحين المستأجرين. قال رئيس البلدية أنطوان شختورة لفرانس برس “الأفضل توخي الحيطة والحذر لأننا لا نعرف من قد يكون وسط الغرباء الذين يأتون للمنطقة”.
إجراءات أمنية جديدة في الفنادق
فرضت الفنادق إجراءات أمنية جديدة شملت تحديد حركة الزوار والنزلاء. عند مدخل أحد فنادق بيروت، تستقبل النزلاء لافتة تعلن عن إجراءات أمنية جديدة يحق بموجبها للإدارة التحقق من هويات النزلاء في أي وقت، ويُمنع على النزلاء استقبال الزوار في البهو أو في الغرف.
في فندق لانكاستر بلازا، قال مشرف الاستقبال محمد الحاج أن “الدخول والخروج أصبح يتم عبر البوابة الرئيسية حصراً”، مروراً بموظفي الأمن. كما أنه “لم يعد مسموحاً لعمال التوصيل بالدخول”، والمطاعم باتت “مخصصة حصراً للنزلاء”.
تأثير الهجمات على الإشغالات الفندقية
أثرت الهجمات الإسرائيلية على الفنادق على معدلات الإشغال بشكل كبير. قال الحاج أن “كثراً من النزلاء خافوا بعد الهجوم غير المتوقع وغادروا”، ما أدى إلى خفض نسبة الإشغال بخمسين في المئة.
يشير استهداف إسرائيل لفندق رامادا في بيروت والفندق الآخر في محلة الحازمية إلى أن الفنادق لم تكن محظوظة في كونها معرضة للقصف. على واجهة فندق رامادا في الروشة، لا يزال يمكن رؤية غرفة الطابق الرابع المستهدفة بدون نوافذ مع جدران متفحمة.
نقابة الفنادق تصدر تعليمات جديدة
أرسلت نقابة أصحاب الفنادق تعميماً يوجه بـ “تنظيم حركة زوار النزلاء، بما يضمن عدم استبدال الزوار بالأشخاص المقيمين” وعدم السماح بحجز الفنادق نيابة عن أشخاص أو لمجموعات. كشف رئيس النقابة بيار الأشقر أن “أشخاصاً معينين كانوا يحجزون الغرف، ثم يعطونها لزوار لهم”، ما يصعّب معرفة هوية نزلاء الغرف.
أصبح فندق رامادا يجري “تقييماً أمنياً” للنزلاء قبل الموافقة على استقبالهم، بالإضافة إلى التقييم الأمني الذي تجريه السلطات.
القضاء يحاكم عناصر حزب الله بتهمة حيازة أسلحة
من جانب قانوني آخر، ادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على أربعة عناصر من حزب الله بتهمة حيازة ونقل أسلحة. قال مصدر قضائي إن القاضي كلود غانم “ادعى على أربعة عناصر، أوقف اثنان منهم خلال نقلهما صواريخ باتجاه جنوب لبنان، فيما ضُبط الآخران بحوزتهما أسلحة حربية غير مرخصة”.
جاءت هذه الخطوات بعد قرار السلطات اللبنانية حظر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية وطالبته بتسليم سلاحه. أعلن الجيش اللبناني توقيفه 27 شخصاً لحيازتهم أسلحة.
محاكمات سابقة وحكم متساهل
في وقت سابق من الشهر، مثل ثلاثة عناصر من حزب الله أمام المحكمة العسكرية واستُجوبوا بجرم حيازة أسلحة حربية غير مرخصة. قررت المحكمة تركهم لقاء كفالة مالية تناهز عشرين دولاراً، ما أثار استياء خصوم الحزب في لبنان الذين اعتبروا الحكم متساهلاً جداً.
ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 886
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية الاثنين عن حصيلة محدّثة لضحايا الحرب. قتل 886 شخصاً على الأقل في لبنان بينهم 111 طفلاً خلال الحرب التي اندلعت قبل حوالي أسبوعين. أوردت الوزارة أن “العدد الإجمالي للشهداء بلغ 886، وعدد الجرحى 2141”.
تشمل حصيلة القتلى 38 عاملاً في القطاع الصحي، مما يعكس الضغط الهائل على البنية التحتية الطبية. كانت الحصيلة السابقة في الأحد تفيد بمقتل 850 شخصاً، ما يعني أن حوالي 36 شخصاً قُتلوا في يوم واحد فقط.
الأطفال والعاملين الصحيين بين الضحايا
يعكس رقم 111 طفلاً بين الضحايا حجم المأساة الإنسانية للحرب. كما أن مقتل 38 عاملاً صحياً يشير إلى الاستهداف الذي طال البنية التحتية الطبية والعاملين فيها.
تركيا تندد بالعمليات البرية الإسرائيلية
أدانت تركيا بشدة الاثنين العمليات البرية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في لبنان. قالت وزارة الخارجية التركية في بيان “ندين بشدة العملية البرية الإسرائيلية في لبنان التي تزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة”.
حذرت تركيا من “كارثة إنسانية جديدة” في الشرق الأوسط، واتهمت حكومة نتانياهو بـ “تطبيق سياسات إبادة جماعية وعقاب جماعي، هذه المرة في لبنان”.
Conclusion:
تعكس الأزمة السكنية للنازحين اللبنانيين والإجراءات الأمنية المتشددة في الفنادق حجم الخوف والتدهور الأمني الذي بدأ يسيطر على المجتمع اللبناني وسط الحرب. مع ارتفاع حصيلة القتلى إلى 886 وتشريد أكثر من 830 ألف شخص، أصبح لبنان يواجه أزمة إنسانية وسكنية ضخمة. القيود الأمنية الجديدة والتمييز ضد النازحين يعكسان مدى انقسام المجتمع اللبناني واستقطابه بسبب الحرب. مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والمحاكمات القضائية لعناصر حزب الله، يبدو أن لبنان سيواجه سنوات من عدم الاستقرار والمعاناة الإنسانية.






