وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات لاذعة وحادة إلى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الجمعة، واصفاً إياهم بـ “الجبناء” لرفضهم الاستجابة لطلبه تقديم مساعدة عسكرية لتأمين مضيق هرمز الحيوي في خضم استمرار الحرب على إيران. جاءت الانتقادات الحادة في سياق متوتر من المفاوضات الأمريكية مع الحلفاء حول كيفية توزيع أعباء الحرب الإقليمية والنفقات العسكرية المرتبطة بها.
في الوقت ذاته، أعلن حلف الناتو انسحاب جميع أفراد بعثته من العراق، في خطوة تعكس التدهور الأمني والسياسي في المنطقة بسبب الحرب المستمرة. جاء الانسحاب بعد شهر ونصف من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026. هذه الخطوات تعكس واقعاً صارخاً: الحرب الإقليمية تفكك التحالفات الغربية بدلاً من توحيدها، وتكشف انقسامات عميقة حول من يجب أن يتحمل أعباء الصراع الجيوسياسي العالمي.
انتقادات ترامب الحادة: “نمر من ورق” و”جبناء”
منشور ترامب الاستفزازي على تروث سوشال
استخدم الرئيس ترامب منصة تروث سوشال (Truth Social)، شبكته الاجتماعية الخاصة، لتوجيه انتقادات مباشرة وحادة للناتو. قال: “حلف شمال الأطلسي بدون الولايات المتحدة هو نمر من ورق.” كانت الرسالة واضحة: دول الناتو ضعيفة بدون الحماية الأمريكية وغير قادرة على العمل بشكل مستقل أو فعال.
أضاف ترامب: “إن حلفاءنا لا يرغبون في المساعدة على فتح مضيق هرمز، وهي مناورة عسكرية بسيطة جداً. يسهل عليهم القيام بذلك، بأقل قدر من الخطر.” ثم اختتم تصريحه بجملة قاسية: “جبناء، ولن ننسى!”
التناقضات في موقف ترامب حول مضيق هرمز
يعكس نص ترامب تناقضاً واضحاً في موقفه الذي تأرجح مؤخراً. قال في منشورات سابقة أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مساعدة لتأمين مضيق هرمز، وأنها قادرة على فعل ذلك وحدها. لكنه الآن ينتقد الحلفاء الغربيين لعدم مساعدتهم في هذه “المناورة العسكرية البسيطة.”
هذا التناقض يعكس حقيقة أعمق: الرئيس الأمريكي يريد من الحلفاء أن يتحملوا أعباء الحرب لكن بطريقة تبقيه هو في قيادة العملية. يريد مساهمات عسكرية من دول الناتو دون أن يستشيرها مسبقاً أو يأخذ برأيها حول الاستراتيجية.
سياق أوسع: شكوك ترامب المزمنة بشأن الناتو
ليس هذا الهجوم الأول الذي يوجهه ترامب على الناتو. الرئيس الأمريكي البالغ من العمر 79 سنة يشكك منذ سنوات في جدوى التحالف العسكري الغربي. منذ فترة ولايته الأولى (2017-2021)، كان يتهم دول الناتو بعدم دفع حصصها العادلة في الدفاع، وبالاعتماد المفرط على الحماية الأمريكية.
هذه الخطابات تعكس فلسفة ترامب الأوسع: كل تحالف يجب أن يدفع ثمنه، وإذا لم تكن الفوائد تستحق التكاليف، فقد يكون من الأفضل للولايات المتحدة الانسحاب. هذا يضع علامات استفهام على مستقبل التزام أمريكا بدفاع أوروبا.
رد دول الناتو: الحذر والاستعداد المشروط
الاستعداد المشروط من ست قوى كبرى
في رد سريع لترامب، أعلنت ست قوى دولية كبرى الخميس 19 مارس (أي قبل ساعات من انتقادات ترامب الحادة) أنها على “استعداد للمساهمة” في جهود تأمين الملاحة في مضيق هرمز. تضمنت هذه الدول:
بريطانيا: القوة الأوروبية الأقرب تحالفاً مع الولايات المتحدة
فرنسا: الدولة الأوروبية الأقوى عسكرياً والأكثر استقلالية في سياساتها
ألمانيا: القوة الاقتصادية الأوروبية الأولى لكن الأقل تورطاً عسكرياً بشكل تاريخي
اليابان: حليف آسيوي رئيسي لواشنطن
دولتان أخريان لم يتم الإشارة إليهما صراحة
صياغة حذرة: “الاستعداد” بدلاً من “الالتزام”
تجدر الملاحظة أن صياغة الرد كانت حذرة جداً. قالت الدول أنها على “استعداد للمساعدة”، لكن بشروط غير مذكورة:
متى ستقدم هذه المساعدة؟
ما طبيعة هذه المساعدة تحديداً؟
ما التكاليف المالية والعسكرية المتوقعة؟
هل ستكون هناك استشارة مسبقة قبل تصعيد العمليات؟
تشير هذه الحذر إلى أن دول الناتو تريد تجنب التورط المباشر في حرب بدأتها الولايات المتحدة بدون استشارتها.
عدم الاستشارة المسبقة: نقطة احتكاك أساسية
ذكرت التقارير أن ترامب “لم يستشر” أي من دول الناتو قبل شن العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران. هذا يعكس نمطاً متكرراً في سياسة ترامب الخارجية: اتخاذ قرارات عسكرية أحادية الجانب ثم المطالبة من الحلفاء بتحمل التبعات.
من المنطقي أن تكون دول الناتو حذرة في الاستجابة للطلبات. لم تُشرك في القرار، لكن يُطلب منها الدفع من حيث الأرواح والمال والتأثير السياسي على حكوماتها.
مضيق هرمز: الجغرافيا الحيوية والمصالح الاقتصادية
أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية
يمر عبر مضيق هرمز—الفتحة الضيقة بين إيران وعمّان التي تربط الخليج بخليج عمّان والمحيط الهندي—حوالي خُمس (20%) من النفط الخام العالمي والغاز الطبيعي المسال. هذا يجعله أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يؤثر مباشرة على أسعار الطاقة العالمية والاقتصاد العالمي.
في أوقات السلم، تمر عبر المضيق آلاف الناقلات سنوياً. لكن منذ بدء الحرب في 28 فبراير، أغلقت إيران (فعلياً) الملاحة التجارية من خلال:
التهديد المباشر برسائل وحشات عسكرية
الهجمات على الناقلات
زرع الألغام
نشر القوات العسكرية
تأثير الحرب على أسعار النفط العالمية
ارتفعت أسعار النفط الخام بشكل حاد منذ بدء الحرب. هذا الارتفاع يعكس مخاوف من انقطاع الإمدادات وعدم القدرة على نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز.
الاقتصادات الأوروبية، التي تعتمد بشدة على واردات الطاقة، تتأثر بشكل مباشر. ارتفاع أسعار الطاقة يدفع أسعار جميع السلع الأخرى صعوداً، مما يؤدي إلى تضخم وضغط على الحكومات.
هذا يعكس الحقيقة المرة: الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على جميع الاقتصادات العالمية، حتى تلك البعيدة جغرافياً عن ساحة الحرب.
الحجج الأمريكية: “مناورة عسكرية بسيطة”
يصر ترامب على أن تأمين مضيق هرمز “مناورة عسكرية بسيطة” يمكن تنفيذها “بأقل قدر من الخطر.” لكن هذا التقييم يختلف بشكل جذري عن تقييمات المحللين العسكريين والخبراء:
التعقيد الجيوسياسي: إيران دولة قومية بقوة عسكرية حقيقية، لا جماعة إرهابية ضعيفة
المخاطر العسكرية: أي محاولة لتأمين المضيق قد تؤدي إلى اشتباكات مباشرة مع البحرية الإيرانية
التكاليف الاقتصادية: عمليات عسكرية طويلة تتطلب موارد ضخمة
التأثير على الحلفاء: دول الناتو قد تشعر بأن الخطر ليس “بسيطاً” على قراراتها الوطنية
انسحاب الناتو من العراق: انهيار التحضر الدبلوماسي
البيان الرسمي: نقل آمن لكن انسحاب واقعي
أعلن حلف الناتو رسمياً انسحاب جميع أفراد بعثته من العراق. جاء البيان بصيغة حذرة: “عدّلت البعثة وضعها، ونقلت جميع أفرادها بأمان من الشرق الأوسط إلى أوروبا.” آخر أفراد البعثة غادروا الجمعة 20 مارس 2026.
هذه الصياغة الحذرة تحاول التقليل من حجم الانسحاب، لكن الحقيقة واضحة: الناتو يترك العراق تحت ضغط الحرب، تاركاً القوات العراقية بدون دعم استشاري مباشر.
مهمة الناتو في العراق: دور استشاري وتدريبي
كانت بعثة الناتو في العراق تؤدي دوراً استشاري وتدريبي غير قتالي. تشكلت عام 2018 وضمت “عدة مئات” من الأفراد من دول الناتو والشركاء (أستراليا والنمسا). مقرها كان في قاعدة عسكرية بقلب بغداد، على مقربة من السفارة الأمريكية.
هذا الموقع القريب من السفارة الأمريكية كان نقطة ضعف استراتيجية. السفارة تعرضت لعدة هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة منذ بدء الحرب، كما تعرضت معسكرات الفصائل الموالية لإيران والقوات الأمريكية والأطراف الأخرى لهجمات متبادلة.
السياق الأمني: غارات إسرائيلية وهجمات إيرانية
وصفت التقارير الأمنية العراقية الانسحاب بأنه “موقت”، لكن المصطلح يخفي الحقيقة الأوسع. منذ 28 فبراير، أصبح العراق ساحة نزاع ثانوية حيث:
غارات على الفصائل الموالية لإيران: شنت قوات أمريكية وإسرائيلية غارات ضد تمركزات الفصائل المسلحة الموالية لطهران
هجمات على المصالح الأمريكية: أطلقت هذه الفصائل صواريخ وطائرات مسيرة ضد المنشآت الأمريكية
ضربات إيرانية على الأكراد: استهدفت القوات الإيرانية مجموعات كردية معارضة في شمال العراق
هذا الوضع الفوضوي جعل العراق محفوفاً بالمخاطر لقوات الناتو غير المقاتلة.
ماذا يعني الانسحاب للعراق؟
انسحاب الناتو يعني فقدان العراق لدعم استشاري مهم كان يساعد في بناء قدرات الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية. هذا يأتي في وقت يحتاج فيه العراق إلى هذا الدعم أكثر من أي وقت مضى.
القوات العراقية الآن تحت ضغط متزايد من:
القوات الأمريكية والإسرائيلية التي تعمل على أراضيها
الفصائل المسلحة الموالية لإيران
التوترات بين السلطة الفيدرالية والإقليم الكردستاني
الانقسامات الأطلسية: هل ينهار الناتو؟
تاريخ من الخلافات: الآن والأمس
الناتو كان يواجه تحديات داخلية منذ سنوات. نزاعات بشأن:
توزيع النفقات العسكرية: ترامب انتقد دول الناتو كثيراً لعدم الإنفاق كافياً
الاستراتيجية نحو روسيا: بعض الدول أوروبية تفضل حوار أكثر براغماتية
الانتشار العسكري في أوروبا الشرقية: انقسام بين الدول المهددة والدول البعيدة
الآثار على الاستقرار العالمي
ضعف التحالفات الغربية
الحرب في الشرق الأوسط وتصرفات ترامب تكشف ضعفاً أساسياً في التحالفات الغربية. بدلاً من التوحد حول قضايا مشتركة، تبدو الدول الغربية:
غير منسقة: لا توجد استراتيجية موحدة
غير متأكدة من التزام أمريكي: ترامب يضع علامات استفهام على الالتزامات الأمريكية
منقسمة على المصالح: كل دولة تحاول حماية مصالحها الاقتصادية الخاصة
فرص للمنافسين: الصين وروسيا
في الوقت الذي تنقسم فيه الدول الغربية، تستفيد الصين وروسيا من الفرصة لتعزيز نفوذهما. الصين تبني شراكات اقتصادية، وروسيا تقوي حضورها الإقليمية.
المسؤولية الأمريكية
يحمل ترامب مسؤولية مباشرة عن هذا الوضع. قراره بشن الحرب على إيران بدون استشارة الحلفاء، وانتقاداته اللاحقة عندما لم يساعدوه بالطريقة التي يريدها، يعكس نهجاً استفزازياً يفكك بدلاً من بناء التحالفات.
Conclusion:
تعكس الانتقادات الحادة من ترامب وانسحاب الناتو من العراق واقعاً مرير: التحالفات الغربية تمر بأزمة حقيقية. الرئيس الأمريكي، بدلاً من العمل على توحيد الحلفاء حول قضايا مشتركة، يوجه لهم الاتهامات والإهانات.
هذا النمط من الخطاب والتصرف قد يكون له عواقب طويلة الأمد على مصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة تحالفات عالمية. عندما يصف الرئيس الأمريكي حلفاءه بـ “الجبناء”، ويعلن أن الناتو “نمر من ورق” بدونه، فإنه لا يوحد بل يفكك.
الحقيقة المرة هي أن الحروب الإقليمية لا تحل بقوة عسكرية وحدها. تحتاج إلى تحالفات قوية، حوار دبلوماسي حقيقي، وإرادة سياسية موحدة. بدون هذه العناصر، قد ننظر إلى نهاية عصر التحالفات الغربية كما عرفناها.






