هربت سارة صالح مع أفراد عائلتها بملابس النوم في الساعات الأولى من فجر الأربعاء، بعد إنذار إسرائيلي بالإخلاء قبيل قصف مبنى مجاور لمركز الإيواء الذي لجأوا إليه في قلب بيروت، إثر نزوحهم من الضاحية الجنوبية للعاصمة. غير أن غارات أخرى نُفّذت من دون إنذار مسبق، مستهدفة مباني سكنية في أحياء متفرقة، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً على الأقل وأثار حالة من الذعر بين السكان الذين لم يجدوا وجهة آمنة خلال ساعات الليل.
تقول صالح (29 عاماً) لوكالة فرانس برس “كانت الساعة الرابعة فجراً وكنا نائمين” ليستيقظوا على صوت إطلاق نار كثيف لتحذير السكان من الخطر الوشيك. هربت مع والديها وأشقائها وأبنائهم إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت “وكنا بملابس النوم”، واصفة صوت الضربة بأنه كان “مرعباً…قوياً جداً. اهتزّت بيروت”. وترتدي قناعاً طبياً للحماية من الغبار المتصاعد عقب الانفجار، تقول “الأطفال ارتعبوا وبكوا”.
تصعيد الضربات على العاصمة بدون إنذارات
يقع المبنى المستهدف في منطقة الباشورة، وهي منطقة سكنية مكتظة قريبة من وسط بيروت التجاري، حيث مباني شركات ومقار حكومية. امتدت تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى لبنان بعدما أطلق حزب الله صواريخ نحو إسرائيل ردا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في مطلع الضربات الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، لتبدأ إسرائيل سلسلة غارات عنيفة على مناطق لبنانية عدة.
أسفرت الغارات الإسرائيلية حتى الآن عن مقتل 912 شخصاً على الأقل، بينهم 111 طفلاً، وفق ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، فيما نزح أكثر من مليون شخص. خلال الأسبوعين الماضيين، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بإخلاء مناطق واسعة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أنه نفذ في المقابل ضربات في العاصمة من دون إنذارات مسبقة.
خوف السكان المتزايد من الضربات بدون إنذار
بالنسبة لصالح، التي نزحت إلى مدرسة في الباشورة تحولت إلى مركز إيواء وكانت قد لجأت إلى المكان نفسه خلال الحرب السابقة بين حزب الله وإسرائيل عام 2024، فإن “المخيف هو أنهم أصبحوا يضربون بلا إنذار”. تضيف “هنا أعطوا إنذاراً”، ما أتاح للسكان “أن نأخذ احتياطاتنا، أو نهرب، أو نبتعد عن المكان”.
الدمار في حي زقاق البلاط
وفي حي زقاق البلاط القريب، أمضى السكان نهارهم في إزالة آثار الدمار والزجاج المتناثر عقب غارات استهدفت مباني سكنية من دون سابق إنذار، في منطقة تقع على مقربة من السراي الحكومي وعدد من البعثات الدبلوماسية. تجمع السكان حول جرافات عملت على رفع الركام وإعادة فتح الطريق، فيما وقف أصحاب المحال أمام واجهات محالهم المحطمة، على وقع تحليق طائرات مسيّرة إسرائيلية في الأجواء.
يقول حيدر (68 عاماً)، وهو صاحب أحد المحال، “أنا وعائلتي شعرنا بالرعب”، مضيفاً أن الأمر يصبح “خطيراً للغاية عندما لا يكون هناك إنذار”. بعد الضربات، قررت زوجته البحث عن مكان آخر للإقامة، على غرار عائلات أخرى شاهدتها مراسلة فرانس برس وهي تغادر الحي حاملة حقائبها، فيما حمل أحد الأطفال دمية وردية اللون، ومرّت إلى جانبهم امرأة تبكي.
الحي، الذي يضمّ أبنية تاريخية في قلب العاصمة، كان قد شهد الأسبوع الماضي غارات قال الجيش الإسرائيلي إنها استهدفت مقراً لمؤسسة “القرض الحسن” المالية التابعة لحزب الله.
مقتل قيادة قناة المنار
أعلنت قناة المنار الأربعاء عن مقتل مدير البرامج السياسية فيها محمد شري وزوجته في غارة بزقاق البلاط، فيما أصيب أبناؤه وأحفاده. حسب وزارة الصحة، أسفرت غارات الأربعاء على زقاق البلاط ومنطقة البسطة المجاورة عن إصابة 41 شخصاً، إضافة إلى القتلى.
تقول زينب (65 عاماً)، وهي من سكان الحي “استيقظنا مثل المجانين”، متسائلة “ماذا يمكننا أن نقول؟ لقد تعبنا”. تضيف “كان القصف قوياً جداً كأنه فوق رؤوسنا”، مشيرة إلى أن السكان باتوا يعيشون في “رعب”، إذ “كل ساعة أو ساعتين يضربون مكاناً جديداً. إلى أين يمكننا أن نذهب؟”.
صيدا: بوابة الجنوب مكتظة بالهاربين
على واجهة صيدا البحرية، بوابة جنوب لبنان، يمتدّ على مدّ النظر طابور سيارات تقلّ السكان الهاربين من القصف الإسرائيلي اليومي المدمّر في المنطقة الحدودية. لا تبعد صيدا، كبرى مدن جنوب لبنان، سوى نحو عشرة كيلومترات عن خط نهر الزهراني الذي بات عملياً يقسم البلاد إلى قسمين.
منذ 12 مارس، أنذرت إسرائيل التي تخوض حرباً مع حزب الله منذ الثاني من مارس، بإخلاء كل المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، وباتت أوامر الإخلاء الإسرائيلية تشمل بذلك 14 في المئة من الأراضي اللبنانية.
قصة لاجئ واحد
بعدما تردّد بادئ الأمر، حسم نضال أحمد شكر (55 عاماً) أمره أخيراً الثلاثاء، وغادر قريته جبشيت في الجنوب بعدما اشتدّ القصف. يقول الموظف البلدي “قُتل خبّازون بينما كانوا يعدّون الخبز” في ساحة القرية، و”استشهد موظفون في البلدية أثناء عملهم على الجرافات”.
ووصل شكر إلى صيدا عند الساعة الخامسة فجراً برفقة قافلة إنقاذ تابعة للدفاع المدني. في حقيبته الصغيرة، لم يحمل سوى منشفة وملابس داخلية وأدوية مسكّنة لآلام الظهر وحبوب منوّمة.
مراكز إيواء مكتظة وعائلات في السيارات
دفعت الحرب أكثر من مليون لبناني إلى النزوح، فيما تتكدّس عائلات بأكملها على الواجهة البحرية أو تنام في السيارات مع رضّع ومسنين وذوي إعاقة في ظلّ غياب أماكن شاغرة في مراكز الإيواء.
تقول جيهان قيسي، وهي مديرة منظمة غير حكومية تدير مدرسة تؤوي ثلاثة أضعاف قدرتها الاستيعابية، إن “صيدا مكتظة”. تضيف بأسى، وقد اضطرت إلى رفض إيواء كثيرين، “تخيّلوا هذه العائلات التي تصل ليلاً، بعيون يملؤها الذعر، ويسألونني: هل يمكن أن ننام على الأرض لنكون بأمان حتى الصباح؟”.
فقدان الأمل في العودة
وصلت صفاء الطبل (37 عاماً) قبل ثلاثة أيام مع زوجها وأطفالها الخمسة من بلدة الخرايب في الجنوب. تروي “كنا نظن أننا سنصمد، لكن القرية كانت تتعرض لهجمات متواصلة. لم تفارق المسيّرات السماء…لم نعد ننام ولا نرتاح. لم يعد الأمر يحتمل”.
تضيف بحسرة “كانوا يستهدفون الناس والمنازل. كل شيء جرى أمام أعيننا. رأيت القتلى”. القرية باتت “شبه مهجورة”، متحدثة عن غرف منزلها التي كانت تحب تزيينها بزهور التوليب. وتضيف “هناك أرضي وبلدي وذكرياتي وطفولتي. هناك كل شيء بالنسبة إلي”.
يلازمها هاجس العودة سريعاً إلى الخرايب، لكن المرأة تخشى أن تدمّر القنابل منزلها نهائياً أو ألا تتمكن من العودة إذا نفّذ الجيش الإسرائيلي تهديده بشنّ اجتياح بري واسع.
سكان يرفضون المغادرة لأسباب اقتصادية
غادر معظم السكان منازلهم في “المنطقة الحمراء” التي طلبت إسرائيل من سكانها إخلاءها، لكن عدداً من الأهالي ما زالوا فيها، وهي منطقة ذات غالبية شيعية تضم أيضاً مسيحيين وسنّة.
يقول حيدر بيطار (28 عاماً)، وهو رجل أعمال من النبطية لا يزال يتردّد إليها، إن آخرين “لا خيار لهم”، وقد بقوا في منازلهم. يضيف “الناس لا يملكون المال للمغادرة” بعد سنوات من أزمة اقتصادية حادة. الحرب فاقمت الغلاء “كان استئجار منزل يكلّف سابقاً مئة أو مئتي دولار، أما اليوم فيتطلّب ألف دولار، ودفع ثلاثة أشهر سلفاً”.
يؤكّد الشاب أن إسرائيل لن تتمكّن من احتلال المنطقة في مواجهة مقاومة شرسة من حزب الله. أعلن حزب الله استعداده لـ “مواجهة طويلة”، على الرغم من الخسائر الكبيرة. يقول بيطار “يقاتلون ليلاً نهاراً، يعرفون أين يختبئون، فوق الأرض وتحتها”.
مقتل محمد شري ومدير المنار
أعلنت قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني مقتل مدير البرامج السياسية محمد شري وزوجته في غارة إسرائيلية استهدفت وسط بيروت الأربعاء. نعت القناة في بيان “مدير البرامج السياسية في القناة، الزميل الحاج محمد شري وزوجته، شهيدين بالغارة الصهيونية على منطقة زقاق البلاط في بيروت”.
أضافت “أصيب أبناؤهما وأحفادهما من أطفال ونساء بجروح، نقلوا على إثرها إلى المستشفيات”. استهدفت غارات إسرائيلية الأربعاء، معظمها بلا إنذار مسبق، ثلاثة أحياء سكنية مكتظة في وسط بيروت، ما أسفر عن مقتل 12 شخص وإصابة 41.
تاريخ استهداف الإعلام
طالت حرب الشرق الأوسط لبنان في الثاني من مارس، بعدما هاجم حزب الله إسرائيل بصواريخ ومسيّرات ردا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
ردّت إسرائيل بغارات كثيفة على ضاحية بيروت الجنوبية ومناطق في قلب العاصمة علاوة على جنوب لبنان وشرقه. أفادت قناة المنار بأن شري خضع مؤخراً لعملية جراحية كان يتعافى من آثارها حين قضي في الغارة الإسرائيلية الأربعاء.
في الحرب السابقة بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، قتلت غارة إسرائيلية على وسط بيروت مسؤول العلاقات الإعلامية في حزب الله محمد عفيف. قال الجيش الإسرائيلي إن عفيف “كان متورطاً بشكل مباشر في النشاط الإرهابي لحزب الله ضد دولة إسرائيل”.
Conclusion:
ليلة الرعب في بيروت تعكس مرحلة جديدة من الصراع مع ضربات موجهة نحو أحياء سكنية بدون إنذار. مع نزوح أكثر من مليون لبناني من منازلهم واستمرار السكان في التعبير عن اليأس من فقدان الأرواح والممتلكات، تتعمق الكارثة الإنسانية. مع امتلاء صيدا بالنازحين ومقتل قيادة المنار في الضربات، لا تظهر الحرب أي بوادر على التراجع أو التهدئة.





