التقى قادة سياسيون وعسكريون عراقيون يوم السبت لإحياء ذكرى فتوى الدفاع الكفائي الصادرة في 13 يونيو 2014، وهي حكم ديني غيّر مسار صراع العراق مع داعش. أصدرها آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، وعبأت الفتوى ملايين العراقيين عبر الانقسامات الطائفية والعرقية والجغرافية للدفاع عن وطنهم خلال أخطر تهديد وجودي واجهه. بعد أكثر من عقد من الزمان، لا يزال المسؤولون الحكوميون وقادة المجموعات المسلحة ينظرون إلى الفتوى باعتبارها اللحظة المحورية التي منعت انهيار العراق وحفظت المنطقة من عدم استقرار أوسع.
الأهمية التاريخية للفتوى
فتوى الدفاع الكفائي كانت أكثر من مجرد حكم ديني. وفقاً لعمار الحكيم، رئيس حركة الحكمة الوطنية، فقد مثلت “رداً تاريخياً على مرحلة حرجة كادت تهدد الكيان العراقي برمته.” عندما استولت داعش على مدن رئيسية بما فيها الموصل والمحافظات المحيطة بها عام 2014، ثبت أن الاستجابة العسكرية التقليدية وحدها غير كافية. نداء المرجعية الدينية العليا للدفاع الجماعي استحضر سلطة روحية ومعنوية رنّت عبر السكان المتنوعين طائفياً في العراق.
وصف قيس الخزاعي، الأمين العام لحركة أساعيب أهل الحق، الفتوى بأنها “إعلان عن ميلاد إرادة شعبية جديدة استجاب لها ملايين العراقيين من جميع شرائح المجتمع.” بخلاف التجنيد العسكري البحت، أرسى إطار الفتوى الدفاع ليس كصراع طائفي بل كحماية وطنية، مما غيّر جذرياً الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية للصراع.
التعبئة عبر الخطوط الطائفية
ظهرت قوات الحشد الشعبي كالتعبير التنظيمي لنداء الفتوى. في حين وصفها مراقبون غربيون وبعض الجهات الإقليمية في البداية بأنها ميليشيات طائفية، فقد أصبحت قوات الحشد في نهاية المطاف تضم سنة وشيعة وعرباً وأكراداً وتركماناً ومسيحيين يقاتلون جنباً إلى جنب ضد داعش. أكد الخزاعي أن “دماءهم اختلطت في الخنادق”، مما أرسى أساساً عملياً للوحدة الوطنية تتجاوز عقوداً من الانقسام الطائفي.
نسب فالح الفياض، رئيس قوات الحشد الشعبي، الفضل للفتوى في “تقوية روح الوحدة الوطنية والتكامل بين المؤسسات”، مما خلق جهازاً أمنياً متماسكاً نسق بين الجيش العراقي وقوات الشرطة الاتحادية والمحلية وجهاز مكافحة الإرهاب وقوات البشمركة والأجهزة الاستخباراتية. مثّل هذا التكامل المؤسسي انحرافاً عن المشهد الأمني المتشرذم في العراق بعد 2003.
النصر العسكري واستعادة الأراضي
أثبتت المعارك التي تلت ذلك قوة الفتوى في التعبئة. استرجعت القوات العراقية، بموجب الولاية الأخلاقية للفتوى، الأراضي من سنجار في الشمال إلى جرف الناصر في الجنوب. تذكّر الخزاعي بأن “معارك حزام بغداد والفلوجة والأنبار والبيجي وتكريت وديالى وصلاح الدين والموصل كُتبت بدماء شهداء الجنوب.” بحلول عام 2017، طرد العراق داعش من جميع مراكز السكان الرئيسية، مما منع المنظمة الإرهابية من إقامة دولة إقليمية دائمة.
الآثار الإقليمية
يؤكد المسؤولون العراقيون أن نصرهم حمل تداعيات تتجاوز الحدود العراقية. احتج الخزاعي بأن “لولا استجابة العراقيين للفتوى، لكان مصير المنطقة برمتها مختلفاً”، مما يضع دفاع العراق كحماية للدول المجاورة المهددة من قبل أجندة داعش التوسعية. يضع هذا الإطار العراق كحصن إقليمي ضد التطرف بدلاً من كونه صراعاً محلياً فحسب.
التوحيد المؤسسي والتحديات المستمرة
الإطار القانوني وتكامل الحشد
بعد أربع سنوات من النصر العسكري الرئيسي، يبقى الحشد الشعبي مؤسسة متنازعاً عليها. وفي حين دُمج في جهاز الدولة الأمني الرسمي تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، يشدد القادة على ضرورة التقنين القانوني الشامل. دعا الخزاعي إلى “سرعة تشريع قانون قوات الحشد الشعبي”، واصفاً إياه بأنه “ضرورة أمنية وطنية ملحة لضمان حقوق مئات الآلاف من المقاتلين وأسر الشهداء والجرحى.”
سيرسم التشريع المقترح هيكل الحشد وتجهيزه وأحكام الرعاية الاجتماعية بينما يربطه بالهرم العسكري الدستوري. لاحظ الفياض تقدماً في “تخصيص بعض الكتائب مباشرة لقيادة الحشد الشعبي” وإخضاعها للسلطة الحكومية الرسمية، ممثلة “علامة فارقة مهمة في تعزيز العمل المؤسسي وتقوية الانضباط.”
الدفاع ضد ضغط نزع السلاح
رفض الخزاعي مباشرة الدعوات الدولية والإقليمية لحل الحشد أو دمجه في الوحدات العسكرية الرسمية، واصفاً مثل هذه الطلبات بأنها “استمرار للمشروع الذي يستهدف تضعيف القوات الأمنية العراقية.” أكد أن “المطالب بحل الحشد أو دمجه ليست سوى…مؤامرات صهيونية لتضعيف العراق عسكرياً وأمنياً”، مما يعكس توترات مستمرة مع القوى الخارجية التي تسعى لإعادة تشكيل الهندسة الأمنية العراقية.
حذّر رئيس تحالف خدمات شبل الزيدي بالمثل من الاستيلاء المؤسسي، قائلاً إن “اعتقاد البعض بأن قوات الحشد الشعبي يجب أن تبقى لحماية مؤسساتهم والمصالح الشخصية خطأ فادح.” شدد على أن “قوات الحشد الشعبي تأسست للدفاع عن الوطن”، وليس لخدمة أجندات حزبية، ودعا إلى إزالة “الطفيليين والانتهازيين والعناصر غير المنضبطة” من الصفوف.
القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية
حماية المدنيين والحفاظ على الكرامة
شدد الحكيم على أن الفتوى تجاوزت الضرورة العسكرية، وأرسعت “مبادئ أخلاقية ثابتة في القتال” متجذرة في الاهتمام الإنساني. قال إن “على الصعيد الإنساني، أكدت الفتوى على حماية المدنيين والحفاظ على كرامتهم، وأرست مبادئ أخلاقية ثابتة في القتال.” يضع هذا الإطار دفاع العراق بعيداً عن العنف الطائفي أو الحرب العشوائية، ويضعه كصراع مدفوع بالقيم.
مثّل تركيز الفتوى على حماية المدنيين والكرامة الإنسانية انحرافاً عن الفظائع الطائفية التي ميزت الحرب الأهلية العراقية 2006-2008، مما يقدم إطاراً أخلاقياً لدفاع وطني أكثر توحداً.
الخاتمة:
بعد اثني عشر عاماً من فتوى الدفاع الكفائي، ينظر قادة العراق إليها باعتبارها نقطة التحول التي منعت انهيار الدولة وحفظت الكيان الوطني. أثبت تعبئة الفتوى للإرادة الشعبية عبر الخطوط الطائفية قدرة العراقيين على الوحدة تحت التهديد الوجودي. اليوم، يقف الحشد الشعبي، وُلِد من نداء الفتوى، كمؤسسة دائمة داخل جهاز الأمن العراقي، لكن تقنينه الرسمي وعلاقته بسلطة الدولة تبقى موضوع خلاف سياسي. بينما يحيي العراق ذكرى هذا الميلاد، فإن التوازن بين تأسيس إرث الفتوى ومنع استقطابها لمصالح حزبية سيشكل مسار الأمن والمستقبل السياسي للأمة.




