أجبرت الحرب الإسرائيلية اللبنانية نحو نصف مليون طالب على ترك مدارسهم منذ اندلاعها قبل شهر تقريباً. تحولت أكثر من 350 مدرسة حكومية إلى مراكز إيواء للعائلات النازحة، بينما أغلقت الآلاف الأخرى أبوابها بسبب القصف والقتال. يعاني الطلاب والمعلمون من أزمة تعليمية حادة قد تترك آثاراً طويلة الأجل على جيل بأكمله.
قال عاطف رفيق، رئيس قسم التعليم لدى منظمة اليونيسيف في لبنان: “نحن نشهد انهياراً تعليمياً منذ الأيام الأولى للحرب”. تعكس الأزمة معاناة حقيقية يعيشها الآلاف من الأطفال والمراهقين الذين فقدوا الاستقرار والتعليم في آن واحد.
قصص من داخل المدارس المحتلة
أحمد ملحم: الدراسة في ملجأ
في قاعة تدريس تحولت إلى ملجأ للعائلات النازحة في مدرسة ليسيه عبد القادر وسط بيروت، يتابع الطالب أحمد ملحم (17 سنة) دروساً مسجلة على جهاز لوحي غير متصل بالإنترنت. نزح ملحم مع عائلته من ضاحية بيروت الجنوبية التي تعرضت لقصف كثيف وتدمير واسع.
يقول ملحم: “نحاول بكل الإمكانيات المتاحة مواصلة تعليمنا حتى نحقق ما نريد. لا أريد أن أندم لأنني لم أكمل دراستي رغم الظروف الصعبة”. يأمل الطالب الذي يحضر لاختبارات الشهادة الثانوية بدخول كلية الهندسة العام المقبل.
ظروف معيشية قاسية
يتشارك ملحم مع عدد من العائلات صفاً دراسياً يفصل بينهم ستار بلاستيكي. وزعت في الغرفة فرشات صغيرة وأغطية للنوم مع مطبخ مشترك عبارة عن طاولة وموقد صغير رُصت حوله أطباق بلاستيكية عليها خضروات وأدوات تحضير الشاي.
وضع ملحم كتبه وشاشة كمبيوتر في الزاوية، لكن الاتصال بالإنترنت غير متاح في المدرسة. عاودت مدرسته الخاصة في الضاحية الجنوبية التعليم عن بعد بعد أسبوعين من الحرب، لكن بعد حذف المواد غير الأساسية وتقليل مدة الحصص بشكل حاد.
صعوبة التركيز والحنين للدراسة الطبيعية
رغم أن جمعية وفرت خدمة إنترنت في ساحة المدرسة المكتظة بالأطفال والكبار، يقول ملحم إنه لا يستطيع “التركيز” وسط الضوضاء. يدفعه ذلك لإعادة حضور الصفوف المسجلة لاحقاً في غرفته.
قال: “الحضور في المدرسة أكثر إفادة وتفاعلاً. أشتاق إلى العمل الجماعي والمشاريع العلمية التي كنا نقوم بها”. يعكس قوله الفراغ العميق الذي تتركه الحروب في حياة الطلاب، فليست الدراسة فقط بل التفاعل البشري والنشاط المدرسي يختفي بشكل كامل.
آية زهران: بدون إنترنت وبدون أمل
النزوح والحرمان المزدوج
تقضي آية زهران (17 سنة)، النازحة من الضاحية الجنوبية، نهارها في “تحضير الطعام والعمل في جعل المكان صالحاً للعيش” في معهد مهني تحول إلى مركز إيواء في الدكوانة شمال بيروت. الفتاة التي كانت تتمتع بفرص تعليمية أفضل قبل الحرب تجد نفسها الآن محصورة بين واجبات البقاء والضروريات اليومية.
قالت: “لدينا أنا وإخوتي هاتف واحد نتشاركه” لمتابعة التعليم عن بعد. لكن “الرابط الذي أرسلته لنا المدرسة لا يعمل”. هذا الواقع يعكس الفجوة الرقمية الهائلة في لبنان بين الطلاب القادرين على الاتصال والآخرين المحرومين تماماً.
أزمة البنية التحتية التعليمية
مدرسة آية زهران واحدة من مئات المدارس الحكومية التي لا تمتلك موارد لمواصلة التعليم عن بعد، وفقاً لرفيق. كثير من هذه المدارس كانت تفتقر للموارد حتى قبل الحرب، والآن أصبحت الحالة كارثية.
دفعت هذه الأزمة وزارة التربية بالتعاون مع اليونيسيف لإطلاق منصة تحتوي على دروس مسجلة تغطي المنهاج الرسمي. أطلقت اليونيسيف أيضاً خطاً ساخناً بعنوان “اتصل وتعلّم” لتمكين الطلاب من تلقي بعض المواد التعليمية عبر اتصال هاتفي دون حاجة للإنترنت.
شهادة أم على الضياع والأمل
نسيمة إسماعيل: “لا إنترنت حتى أقلام”
جلست نسيمة إسماعيل على مدخل معهد مهني بات مركز إيواء، تسجل أسماء أطفالها في سجلات وزارة التربية حتى تتمكن الوزارة من تقييم الخدمات التعليمية الممكنة لهم. قالت بحزن: “الوضع صعب جداً هنا.. لا إنترنت هنا ولا حتى أقلام”.
النازحة من منطقة البقاع الشرقية أكدت: “أبنائي متفوقون ولا أريد أن يخسروا تعليمهم كما حدث لنا ونحن أطفال” أثناء الحرب الأهلية (1975-1990). قالت بإصرار: “أريد أن يكملوا تعليمهم حتى لو لم يبقَ معنا شيء. وأتمنى لهم أياماً أفضل من أيامنا”.
تعكس كلماتها الخوف العميق من أن يفقد جيل جديد فرصه التعليمية كما حدث لأجيال سابقة. الخوف أن تتكرر التاريخ، لكن هذه المرة على جيل الحرب الحالية.
الأبعاد الاجتماعية والصحية للأزمة التعليمية
الخطر المحدق بالفتيات
يعرب رئيس قسم التعليم لدى اليونيسيف عاطف رفيق عن قلق عميق إزاء مستقبل “طلاب الشهادات الثانوية تحديداً” الذين يستعدون لدخول الجامعات بينما تستمر الحرب.
يحذر من خطورة الانقطاع عن التعليم خاصة “للفتيات في سن المراهقة، بسبب المخاطر التي قد يتعرضن لها عندما لا يكنّ في المدرسة مثل الزواج المبكر والاستغلال وأمور مروعة أخرى”.
هذا التحذير يعكس واقعاً صارخاً: ليست الأزمة التعليمية فقط بل الأزمة الاجتماعية والإنسانية التي تترافق معها.
الفجوة الرقمية الكبيرة
يؤكد رفيق: “هناك فجوة رقمية كبيرة جداً” في لبنان فيما يتعلق بتوافر الأجهزة أو الاتصال بالإنترنت. يضيف: “الأطفال والمدارس في الجنوب تضررت بشكل غير متناسب جراء هذا الصراع منذ عام 2023، وبات الوضع الآن أسوأ بكثير”.
قبل أسبوع من اندلاع الحرب الحالية، كانت اليونيسيف قد أعادت افتتاح 30 مدرسة في الجنوب كانت تضررت في الحرب السابقة بين 2023 و2024. الآن، تلك المدارس نفسها دمرت مرة أخرى، وضاعت سنوات من الجهود الإعمار والتأهيل.
التأثير الاقتصادي على لبنان
خسائر اقتصادية يومية
بحسب تقرير للبنك الدولي عام 2023، يكلف كل يوم من إغلاق المدارس العامة الاقتصاد اللبناني ثلاثة ملايين دولار. هذا الرقم يبدو بسيطاً، لكنه على مدى شهر يعني 90 مليون دولار من الخسائر الاقتصادية المباشرة فقط.
لا تشمل هذه الأرقام الخسائر غير المباشرة: فقدان إنتاجية الآباء والأمهات الذين يجب عليهم البقاء مع أطفالهم بدلاً من العمل، أو تكاليف الخدمات الصحية والنفسية لمعالجة آثار الحرب والنزوح.
استشهاد الصحفيين تحت الرصاص
ضحايا من الذين يسعون لتوثيق الحقيقة
في سياق الحرب القاسية، قُتل علي شعيب، مراسل قناة المنار التابعة لحزب الله، وفاطمة فتوني، مراسل قناة الميادين، بالإضافة إلى مصور، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم في جنوب لبنان السبت.
كان شعيب أحد أبرز مراسلي القنوات الحربيين الذي غطى الهجمات الإسرائيلية على لبنان على مدى عقود. نعت القناتان مراسلتيهما في بيانات عاجلة، مما يضيف بُعداً أخرى لمأساة الحرب: استشهاد أولئك الذين كانوا يسعون لتوثيق الحقيقة والمعاناة.
القصف المستمر على جنوب لبنان
غارات واسعة النطاق فجر السبت
شنت إسرائيل غارات على جنوب لبنان فجر السبت استهدفت بلدات مجدل سلم وكفرا والحنية وتولين وعدلون. كما استهدفت غارات أخرى “مبانٍ سكنية وتجارية ومحطة محروقات” في مدينة النبطية.
أفادت التقارير عن ضربات على بلدات حدودية خاصة الطيبة مع “محاولة تقدم لقوات العدو نحو منطقة الليطاني”، مما يعكس الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على عمق لبناني بعمق 30 كيلومتر من الحدود.
ردود حزب الله والتصعيد المستمر
أعلن حزب الله في بيانات صباح السبت استهدافه تجمعات للقوات الإسرائيلية في بلدة دبل الحدودية. قال الحزب إنه استهدف دبابة ميركافا “بمحلقة انقضاضية” وقوة إسرائيلية بـ “مسيّرة انقضاضيّة”.
أعلن الحزب أيضاً عن قصف “مقرّ قيادة المنطقة الشماليّة” في الجيش الإسرائيلي الواقعة شمال صفد بدفعة صاروخية. يعكس هذا التصعيد استمرار دورة العنف والرد المتبادل التي تبدو بلا نهاية.
الأرقام والإحصائيات
| المعيار | الرقم |
| عدد الطلاب خارج المدارس | 500,000 طالب |
| عدد المدارس الحكومية المحتلة | +350 مدرسة |
| عدد القتلى في الحرب | +1,100 شخص |
| عدد الأطفال القتلى | 122 طفل على الأقل |
| الخسارة الاقتصادية اليومية | 3 ملايين دولار |
| الخسارة الشهرية | 90 مليون دولار |
| المدارس المعاد افتتاحها قبل الحرب | 30 مدرسة |
جهود التصدي والحلول الناشئة
منصات التعليم الإلكترونية
أطلقت وزارة التربية بالتعاون مع اليونيسيف منصة تحتوي على دروس مسجلة تغطي المنهاج الرسمي، يمكن لكل طالب متابعتها بشكل مستقل دون الحاجة للاتصال المباشر بالإنترنت. هذه المنصة توفر بعض الأمل لآلاف الطلاب المحتجزين في المراكز.
خط “اتصل وتعلّم”
أطلقت اليونيسيف مع جمعية “التعليم من أجل لبنان” خطاً ساخناً بعنوان “اتصل وتعلّم”، لتمكين الطلاب من تلقي بعض المواد التعليمية عبر اتصال هاتفي دون حاجة للإنترنت. هذا الحل الإبداعي يحاول التغلب على الفجوة الرقمية.
التحديات المتبقية
يذكّر رفيق: “نحن أيضاً بحاجة إلى معلمين متصلين” بالإنترنت ولديهم القدرة على التدريس. في الوقت الحالي، لا توجد بيانات عن عدد المعلمين النازحين أو غير القادرين على مزاولة عملهم.
Conclusion:
تشكل الأزمة التعليمية في لبنان كارثة إنسانية بطيئة لكن مدمرة. نصف مليون طالب خارج المدارس يعني جيل بأكمله قد يفقد فرصه التعليمية والمهنية. الفتيات والمراهقون معرضون لمخاطر اجتماعية واقتصادية حقيقية. المدارس التي أُعيد بناؤها من دمار الحرب السابقة دمرت مرة أخرى. الموارد الاقتصادية محدودة، والبنية التحتية الرقمية ضعيفة. لكن ما يميز القصة قصص أحمد وآية ونسيمة: رغبة عميقة في الاستمرار والتعلم حتى في أحلك الظروف. ما يحتاجه لبنان الآن ليس فقط وقف الحرب، بل استثمار حقيقي في إعادة بناء النظام التعليمي وضمان ألا يخسر جيل آخر فرصة المستقبل.






