للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة قبل أكثر من سنتين، تشتري رائدة أبو دية ملابس جديدة لطفلتها لمناسبة عيد الفطر، لكنها في الوقت ذاته قلقة لأن غزة باتت “منسية” بسبب الحرب على إيران. يترقب المسلمون إعلان رؤية هلال عيد الفطر في الأيام القليلة القادمة، وهو، رغم الحرب في الشرق الأوسط، يبدو “مختلفاً” هذا العام بفضل هدنة هشة في القطاع المدمّر بدأت في أكتوبر 2025.
تعكس تحضيرات أهالي غزة للعيد محاولة منهم للعودة إلى الحياة الطبيعية بعد حرب مدمّرة استمرت أكثر من سنة. لكن القلق من تأثير حرب إيران على المساعدات الإنسانية والاهتمام الدولي يسيطر على أذهان الكثيرين منهم.
الحياة تعود تدريجياً إلى غزة
تقول رائدة (38 عاماً) التي تقيم مع زوجها وطفلتهما فداء في خيمة بعد تدمير منزلهم في بيت لاهيا شمالاً “هذا العام مختلف كثيراً، القصف أقل بكثير من السابق”. تضيف “هذه السنة، قررت أن أفرح مع أولادي ونحتفل بما هو متاح لنا”.
لكن الحزن لا يزال يغمر حياتهم. قالت رائدة “لن أنسى شقيقي وأقاربي الذين استشهدوا العام الماضي، لكن نحاول أن نصنع قليلاً من الفرح ولو أن الحزن لا يفارقنا”.
فرح الأطفال رغم الفقد
تقول طفلتها فداء (15 عاماً) “اشترت أمي لي سروال جينز وقميصاً وسترة. هذا أول عيد سنفرح فيه” منذ بدء الحرب. أضافت “كانت لي غرفة جميلة فيها ملابسي وكتبي وألعابي. دمروا كل شيء. آمل أن نفرح هذا العيد ويكون بداية لعودة الحياة الحلوة”.
يعكس فرح الأطفال بالملابس الجديدة الحاجة النفسية للحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب والدمار.
القلق من نسيان غزة بسبب حرب إيران
لكن والدة فداء تقلق من حرب أخرى جارية في الشرق الأوسط منذ 18 يوماً. تقول رائدة إنها تتابع الأخبار عن الحرب على إيران عن قرب، ولا تترك جهاز الراديو حتى بينما تحضّر الطعام لأطفالها. ينطبق هذا على العديد من الغزاويين الذين يشاهدون ويتابعون أخبار الحرب في إيران عبر الإذاعات المحلية.
تقول أبو دية “ما يحدث في إيران له تأثير مباشر على حياتنا، الآن غزة منسية والعالم يتجاهل معاناة أهلها”. يعكس هذا الخوف قلقاً حقيقياً من أن انشغال المجتمع الدولي بحرب جديدة قد يؤدي إلى تقليل المساعدات والدعم لغزة.
معاناة اقتصادية رغم الهدنة
يشكو عمار البحيصي (34 عاماً) من دير البلح في وسط القطاع من عجزه عن شراء ملابس وحلويات العيد لأطفاله. يقول “لا أعرف ماذا أقول لابني، لا يوجد مصدر لتوفير الطعام، كيف سأشتري لأطفالي ملابس وحلويات للعيد؟”.
لم تتمكّن ابتسام سكيك (33 عاماً) أيضاً من شراء ملابس العيد لطفلتيها البالغتين 8 و11 عاماً. تقول “أرى الفرحة بعيون بناتي وأخاف أن أخذلهن. بعض جيراننا اشتروا ملابس العيد”.
الأسعار المرتفعة والوضع المالي
تقول المرأة التي تقيم في حي الرمال غرب غزة “الوضع المالي صعب جداً والأسعار غالية”، مضيفة “إذا انتهت حرب إيران ربما ينتبه العالم إلى غزة من جديد”.
يتراوح ثمن قميص طفل بين 50 و100 شيكل (بين 16 و32 دولاراً)، ويتجاوز سعر بعض أنواع الشوكولا 100 شيكل للكيلوغرام. هذه الأسعار المرتفعة تعكس نقص الموارد والإمدادات في القطاع.
الأسواق الشعبية والاحتفالات
دُمّرت خلال الحرب معظم الأسواق المركزية والتاريخية في غزة، لكن تم افتتاح أسواق شعبية تعتمد غالبيتها على بسطات مصنوعة من القماش والعربات المتنقلة. تكتظ هذه الأسواق بالزبائن والمارة بينما تم تعليق الزينة والإضاءات الملونة على واجهة بعض المحلات وبسطات الباعة، فيما تصدح أناشيد دينية وتكبيرات من مكبرات صوت.
بداية الحياة الاقتصادية من جديد
يقول حسين دويمة (49 عاماً) الذي دمّر محله للملابس في دير البلح “الحياة بدأت ترجع تدريجياً إلى غزة، الأسواق تشهد هذه الأيام إقبالاً كبيراً لشراء الملابس”. يعكس هذا بداية النشاط الاقتصادي من جديد بعد سنوات من الشلل الكامل.
مشاعر الأمل والإرهاق
يروي حسام أبو شقفة (28 عاماً) الذي يقيم مع عائلته في منطقة المواصي غرب خان يونس جنوباً أنه ما زال يسمع صوت الانفجارات بين وقت وآخر. يتابع “تعبنا من الحرب والدمار، إيران بعيدة عنا، لكن الحرب فيها تؤثر علينا”.
لكن الشاب لا يخفي سعادته بعد حصوله على ملابس جديدة لأطفاله الثلاثة وحلويات للعيد من جمعية خيرية محلية. يقول بينما يشعل الحطب لزوجته لإعداد كعك العيد “هذه أجمل أيام نعيشها منذ بدء الحرب”.
الأمم المتحدة تحذر من التطهير العرقي في الضفة
حضّت الأمم المتحدة الثلاثاء إسرائيل على وضع حد فوري لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ما يفاقم المخاوف من “التطهير العرقي” مع نزوح أكثر من 36 ألف فلسطيني خلال عام واحد.
حذّر تقرير جديد صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن تسريع إسرائيل للتوسع الاستيطاني غير القانوني وضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية يتسبب بنزوح على “نطاق غير مسبوق”.
أرقام النزوح والمستوطنات
جاء في التقرير أن “نزوح أكثر من 36 ألف فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة يمثل تهجيراً قسرياً للفلسطينيين على نطاق غير مسبوق ويبدو أنه يشير إلى سياسة إسرائيلية منسقة للنقل القسري الجماعي في جميع أنحاء الأرض المحتلة، بهدف التهجير الدائم، مما يثير مخاوف من التطهير العرقي”.
أشار التقرير إلى تقدم أو موافقة السلطات الإسرائيلية على بناء 36973 وحدة سكنية في المستوطنات في القدس الشرقية المحتلة وحوالى 27200 في باقي أنحاء الضفة الغربية. كما تم إنشاء 84 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة خلال فترة التقرير، وهو رقم غير مسبوق.
العنف والهجمات في الضفة الغربية
ازداد منسوب العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل بشكل كبير منذ هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. ازدادت الهجمات الدموية التي نفذها مستوطنون إسرائيليون في الضفة الغربية منذ اندلاع حرب إيران، وقتل ستة فلسطينيين منذ مطلع مارس.
إحصائيات الضحايا
وفقاً لحصيلة أعدتها فرانس برس استناداً إلى بيانات وزارة الصحة، قتل جنود إسرائيليون أو مستوطنون 1045 فلسطينياً على الأقل، بينهم عشرات المدنيين، في الضفة الغربية منذ اندلاع حرب غزة. وثّق التقرير 1732 حادثة عنف من قبل المستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات خلال السنة التي ركز عليها.
دعوات أممية للإجلاء والعودة
دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى “إجلاء جميع المستوطنين وإنهاء احتلال الأرض الفلسطينية”. شدد على أن على إسرائيل أيضاً “تمكين عودة الفلسطينيين المهجرين، ووقف جميع ممارسات مصادرة الأراضي والإخلاء القسري وهدم المنازل”.
جرائم حرب المحتملة
أشار التقرير إلى أن “النقل غير القانوني للأشخاص المحميين يشكل جريمة حرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة وقد ترقى في ظروف معينة إلى جريمة ضد الإنسانية”. يعكس هذا التقييم القلق الدولي من جسامة ما يحدث في الأرض الفلسطينية.
Conclusion:
يعكس الاحتفال بعيد الفطر في غزة رغم الصعوبات الاقتصادية محاولة من السكان للعودة إلى الحياة الطبيعية. لكن القلق من نسيان غزة بسبب حرب إيران الجديدة يطغى على الفرح. في الوقت ذاته، تحذر الأمم المتحدة من سياسات استيطانية متسارعة في الضفة الغربية قد تشكل جرائم حرب. يبدو أن الشعب الفلسطيني يواجه معركة طويلة على جبهات متعددة، مع خوف متزايد من تراجع الاهتمام الدولي بقضاياهم.






