جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب السبت تهديداته لإيران بمهلة زمنية محددة تنقضي خلال 48 ساعة للاختيار بين التوصل إلى اتفاق يضع حداً للحرب المستمرة منذ أكثر من شهر، أو مواجهة ما وصفه بـ”الجحيم” العسكري. جاء التهديد الجديد في يوم شهد تصعيداً عسكرياً محموماً شملت الضربات الأميركية الإسرائيلية محيط محطة بوشهر النووية والجامعات والمنشآت الصناعية.
تأتي تهديدات ترامب في سياق تطورات عسكرية حرجة تشمل إسقاط طائرة أميركية فوق الأراضي الإيرانية وعمليات بحث مكثفة عن أحد طياريها، فيما تتواصل الهجمات على البنية التحتية المدنية والعسكرية الإيرانية. يعكس الإنذار الأميركي محاولة ترامب فرض جدول زمني قسري على المفاوضات المتوقفة.
تهديد ترامب على منصات التواصل الاجتماعي
كتب الرئيس الأميركي على منصته “تروث سوشال” تحذيراً حاداً اللهجة قائلاً: “تذكرون حين أمهلت إيران عشرة أيام لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز؟ الوقت ينفد، تتبقى 48 ساعة قبل أن ينزل عليهم الجحيم!”
كان ترامب قد حدد موعداً نهائياً في 6 أبريل الحالي لكي تقوم إيران بفتح مضيق هرمز الحيوي، الذي أغلقته عملياً منذ بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي في 28 فبراير. في حالة عدم الامتثال، توعد الرئيس الأميركي بقصف منشآت الطاقة الإيرانية بشكل واسع النطاق.
شروط واشنطن وحسابات القوة
تدور شروط ترامب حول ثلاثة محاور رئيسية: إبرام اتفاق يضع حداً للحرب، وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، وتجنب الأراضي الإيرانية كمنطقة انطلاق للهجمات على المصالح الأميركية والإسرائيلية. تعكس هذه الشروط محاولة واشنطن إعادة صياغة الوضع الإقليمي بالكامل لصالحها.
قال ترامب في مقابلة مع قناة إن بي سي الأميركية إن إسقاط طائرة أميركية (إف-15 إي) فوق الأراضي الإيرانية “لا يغيّر شيئاً على الإطلاق” بشأن احتمالية المفاوضات مع طهران، معاملاً الحادثة كمسألة ثانوية في سياق الحسابات العسكرية الأوسع.
إسقاط الطائرة الأميركية وعمليات البحث المكثفة
أعلنت القوات العسكرية الإيرانية أنها أسقطت طائرة أميركية من طراز إف-15 إي في جنوب غرب البلاد. قال متحدث باسم الجيش الإيراني إن نظام دفاع جوي تابع للحرس الثوري نفذ الإسقاط مؤكداً: “عمليات البحث مستمرة” عن الطاقم.
من الجانب الأميركي، أفادت وسائل إعلام أميركية بأن أحد الطيارين تمكن من القفز بالمظلة وتم إخراجه من الأراضي الإيرانية عبر عملية نفذتها قوات أميركية خاصة. غير أن مصير الملاح الثاني، المسؤول عن أنظمة التسليح، ما زال مجهولاً حتى الآن.
انتكاسة لسلاح الجو الأميركي والأهمية العسكرية
يمثل إسقاط الطائرة انتكاسة رمزية لسلاح الجو الأميركي، خاصة بعد تصريحات متكررة من ترامب ومسؤولين أميركيين بأن واشنطن وإسرائيل تهيمنان بشكل كامل على الأجواء الإيرانية. أعلنت طهران أيضاً أنها أسقطت طائرة أميركية أخرى من طراز إيه-10 (طائرة دعم جوي) سقطت لاحقاً في الخليج، لكن تم إنقاذ قائدها.
منذ بداية الحرب قبل خمسة أسابيع، لم يُقتل أي جندي أميركي على الأراضي الإيرانية ولم يؤسر أي عسكري أميركي هناك. غير أن 13 جندياً أميركياً قضوا في الكويت والسعودية والعراق.
حملة استهداف المنشآت المدنية والجامعات
شهدت إيران السبت موجة جديدة من الضربات الأميركية الإسرائيلية استهدفت مرافق مدنية حيوية. أعلن وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف أن “أكثر من 30 جامعة قد استُهدفت مباشرة منذ بدء الحرب”، مشيراً إلى جامعة الشهيد بهشتي في شمال طهران التي تعرضت لضربات شديدة يوم الجمعة.
أسفرت الضربات على محيط محطة بوشهر النووية عن مقتل عنصر حماية واحد. أكدت السلطات الإيرانية أن المفاعل النووي نفسه لم يتعرض لأضرار مباشرة، وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عدم رصد أي تسرب إشعاعي.
التحذيرات من الكارثة الإشعاعية والقلق الدولي
حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشدة من أن الضربات المستمرة في محيط المحطة النووية الوحيدة في البلاد قد تسبب تسرباً إشعاعياً “ينهي الحياة في عواصم دول مجلس التعاون الخليجي، لا في طهران”. جغرافياً، تقع المحطة على ضفاف الخليج في جنوب غرب إيران، أقرب إلى العواصم الخليجية منها إلى طهران.
أدانت روسيا، التي بنت المحطة وتساهم في تشغيلها، الضربات بشدة. قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا: “ندين بشدة هذا العمل الشرير الذي أسفر عن مقتل شخص”، مطالبة بوقف فوري لأي ضربات على المنشآت النووية الإيرانية.
بدأت روسيا السبت إجلاء 198 عاملاً من موظفي شركة روساتوم النووية من محطة بوشهر. قال المدير العام لروساتوم أليكسي ليخاتشيف إن “الموجة الرئيسية للإجلاء بدأت اليوم كما هو مخطط لها”، وذلك بعد حوالي 20 دقيقة من الضربة.
الضربات على البنية التحتية وتوسيع الاستهدافات
امتدت الضربات الأميركية الإسرائيلية يوم السبت إلى عدة مواقع إيرانية. استُهدفت مجمعات البتروكيماويات في ماهشهر بمحافظة خوزستان جنوب غرب البلاد، ما أسفر عن خمسة جرحى وإصابة عدة شركات صناعية. كما استُهدف مصنع إسمنت في مدينة بندر خمير جنوباً.
في العراق المجاور، استمرت الضربات على المعابر الحدودية. استهدفت غارة منفذاً تجارياً عند معبر حدودي مع العراق، ما أسفر عن مقتل شخص واحد. أكدت السلطات العراقية وقف حركة نقل البضائع والمسافرين عبر معبر الشلامجة احترازياً.
الرد الإيراني والعمليات العسكرية المضادة
رداً على الضربات، واصلت إيران إطلاق الصواريخ والمسيرات على إسرائيل ودول عربية أخرى في المنطقة. في البحرين، تسببت شظايا مسيّرات أُسقطت في الجو في إصابة أربعة أشخاص بجروح طفيفة وإلحاق أضرار مادية.
في إسرائيل، أصيبت امرأة بجروح طفيفة فجر السبت في ضواحي تل أبيب بسبب تطاير الزجاج بعد إطلاق صافرات الإنذار من صواريخ إيرانية.
أعلن الحرس الثوري الإيراني استهدافه سفينة تجارية مرتبطة بإسرائيل (إم إس سي إيشيكا) ترفع علماً أجنبياً، في منطقة الحد بالبحرين. قالت البحرية الإيرانية إن “مسيّرة أصابت السفينة… المرتبطة بالنظام الصهيوني” ما أدى إلى “اندلاع النيران فيها”.
الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة مضيق هرمز
يثير إغلاق إيران لمضيق هرمز الاستراتيجي قلقاً اقتصادياً عالمياً يتزايد مع استمرار الصراع. أعلنت تركيا عن مرور سفينة تابعة لها تمثل الثانية منذ اندلاع الحرب عبر المضيق. أعلنت الهند بدورها أن ناقلة تحمل علمها محملة بغاز طبيعي مسال عبرت المضيق بسلام.
غير أن استهدافات إيران للسفن التجارية تعكس استراتيجية إيرانية لفرض قيود على حركة الملاحة الدولية كرد عسكري على الحصار الاقتصادي الأميركي الفعلي.
إجراءات أميركية عقابية ضد الإيرانيين بالعودة
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية توقيف قريبتين للقائد العسكري الإيراني الراحل قاسم سليماني الذي قتل في غارة بمسيّرة أميركية في العراق سنة 2020. تم توقيفهما بعد إلغاء وزير الخارجية ماركو روبيو لإقامتهما القانونية.
عرّفت الوزارة إحدى المعتقلتين باسم حميدة سليماني أفشار، متهمة إياها بـ”نشر دعاية النظام الإيراني واحتفاء الهجمات على الجنود والمواقع العسكرية الأميركية وتمجيد الحرس الثوري الإيراني.”
سياسة الترحيل والضغط على الأسر الإيرانية
أكد وزير الخارجية ماركو روبيو عبر منصة إكس أن “إدارة ترامب لن تسمح بأن تؤوي بلادنا مواطنين أجانب يؤيدون أنظمة إرهابية معادية لأميركا.” أضاف روبيو أن “هذا الأسبوع ألغيت الوضع القانوني لأفشار وابنتها وهما الآن رهن الاحتجاز لدى إدارة الهجرة والجمارك، في انتظار ترحيلهما من الولايات المتحدة.”
كما ألغى روبيو مطلع أبريل الوضع القانوني لفاطمة أردشير لاريجاني، ابنة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني الذي اغتيل في غارة إسرائيلية في منتصف مارس. منعت الولايات المتحدة لاريجاني وزوجها من دخول الأراضي الأميركية مستقبلاً.
Conclusion:
يعكس التهديد الجديد من ترامب ومستويات التصعيد العسكري المتزايد درجة حرجة من التصادم بين الجانبين الأميركي الإسرائيلي من جهة والإيراني من جهة أخرى. الساعات الـ 48 المتبقية ستحدد ما إذا كان هناك أي مجال لتفاوض سريع أو سيشهد العالم تصعيداً عسكرياً أكثر دموية. استهداف المنشآت المدنية والنووية، إلى جانب فقدان طائرة أميركية متقدمة، يشير إلى أن الصراع قد دخل مرحلة حرجة جديدة تحمل مخاطر لا تُحصى على الاستقرار الإقليمي والعالمي.






