يقوم الرئيس السوري أحمد الشرع بأول زيارة رسمية له لألمانيا وبريطانيا الإثنين والثلاثاء المقبلين، في إطار موجة متسارعة من الانفتاح الدبلوماسي الأوروبي على سوريا الجديدة. أعلنت الرئاسة السورية عبر وكالة الأنباء الرسمية “سانا” عن الزيارة التاريخية التي ستشهد لقاءات مع كبار المسؤولين في البلدين لبحث تطوير العلاقات الثنائية وإعادة الإعمار. تعكس الزيارة تحولاً درامياً في سياسة العواصم الأوروبية تجاه دمشق بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، وتأتي في سياق جهود سورية واسعة لإعادة الاندماج الاقتصادي والمالي الدولي.
استقبال رسمي في برلين ولندن
سيستقبل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الرئيس الشرع في برلين، حسبما أعلنت الحكومة الألمانية الجمعة. وستركز المحادثات الألمانية على ملفات اقتصادية واجتماعية حساسة تعكس الأولويات الألمانية تجاه إعادة بناء سوريا وإعادة إدماجها في الاقتصاد العالمي.
ستتناول النقاشات الاستقرار الاقتصادي في سوريا، وملفات إعادة الإعمار، والطاقة، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية. وتسعى برلين أيضاً إلى بحث إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، وهي خطوة ضرورية لأي انتعاش اقتصادي حقيقي.
كما يتوقع أن يكون ملف عودة السوريين المقيمين في ألمانيا موضوع نقاش مهم، حيث تستضيف برلين أكبر عدد من السوريين بين دول الاتحاد الأوروبي.
ألمانيا ملاذ الملايين من السوريين
تحتضن ألمانيا أكبر جالية سورية في أوروبا. أفادت وزارة الداخلية الألمانية في أبريل 2025 أن قرابة مليون سوري كانوا يقيمون في البلاد بنهاية مارس من العام نفسه، وهم الأكبر عدداً بين دول الاتحاد الأوروبي. وفرت ألمانيا ملاذاً آمناً لنحو مليون سوري فارّ من حرب استمرت 14 سنة قبل سقوط نظام بشار الأسد.
يكتسب ملف المغتربين السوريين أهمية قصوى للحكومة الجديدة في دمشق، حيث يمثل الفرصة لاستعادة الكفاءات والخبرات والموارد البشرية اللازمة لإعادة البناء الاقتصادي والمؤسسي.
لندن تستأنف العلاقات الدبلوماسية مع دمشق
تأتي محطة الزيارة البريطانية بعد إعلان لندن في يوليو 2025 استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع سوريا. حضر وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي دمشق في تلك الزيارة، مما جعلها أول زيارة لوزير بريطاني منذ 14 سنة.
أوضحت الحكومة البريطانية حينها أن انخراطها مع دمشق يهدف إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية:
- دعم الانتقال السياسي الديمقراطي في سوريا
- مساندة التعافي الاقتصادي والتنموي
- التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية والتهديدات الأمنية المتبقية
- الحد من الهجرة غير النظامية
- معالجة ملف الأسلحة الكيميائية والجرائم الحرب
سياق الانفتاح الأوروبي المتدرج
تأتي الزيارة الحالية في سياق انفتاح منظم وحذر من قبل العواصم الأوروبية على سوريا الجديدة منذ الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر 2024. أعادت ألمانيا فتح سفارتها في دمشق في مارس 2025 بعد إغلاق استمر 13 سنة، مما يشير إلى إرادة قوية من برلين لإعادة بناء العلاقات الثنائية.
وافتتحت سوريا قنصليتها العامة في بون في فبراير 2026، مما يعكس تبادل الثقة التدريجي بين الطرفين. كانت فرنسا سباقة للانفتاح، حيث استقبل الرئيس إيمانويل ماكرون الرئيس الشرع في باريس في مايو 2025 في أول رحلة أوروبية له منذ توليه الحكم.
توتر طائفي في السقيلبية يكدّر صورة الاستقرار
في تطور يعكس التحديات الأمنية المتبقية في سوريا، ألغت كنائس دمشق احتفالاتها بأحد الشعانين السبت تضامناً مع أهالي مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة. جاء القرار عقب توتر أمني شهدته البلدة مساء الجمعة بين السكان ومسلحين قادمين من قرى مجاورة.
قال منسق الشبيبة الملكية بكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك رأفت أبو النصر في اتصال هاتفي السبت: “اتخذنا قراراً جماعياً في كنائس دمشق كافة بإيقاف كل الاحتفالات المقررة غداً الأحد، ليس خوفاً، وإنما تضامناً مع أهلنا في مدينة السقيلبية”.
تفاصيل الهجوم والشعور بالتهديد
شهدت السقيلبية ليلة الجمعة هجوماً اتخذ طابعاً طائفياً واضحاً. أقدم مسلحون وملثمون قادمون من قلعة المضيق والقرى المجاورة على مهاجمة البلدة في هجوم تخلله شغب وتخريب واعتداء على المدنيين. كسّر المهاجمون أكثر من 20 متجراً وأحرقوا عدداً من السيارات.
قال حسّان (56 سنة)، من السكان المحليين: “سمعنا مساء أمس أصوات إطلاق رصاص وتكبيرات، والتزمنا منازلنا خوفاً على أرواحنا”. وأضاف: “نحن موجودون في هذه البلاد منذ آلاف السنين ولن نقبل أن نرحل منها، نحن جزء منها ولن نتخلى عن مطالبنا رغم كل التهديدات”.
استجابة السلطات والمطالب بالمحاسبة
تدخلت قوى الأمن الداخلي السوري لفض ما وصفته وكالة الأنباء الرسمية بأنها “مشاجرة جماعية” بين شبان في السقيلبية. أعادت القوات الأمنية الهدوء بعد توقيف عدد من المتورطين. ولاحقاً جمع وجهاء من القرى والعشائر في اجتماع تمّ فيه اعتبار الحادث “شجاراً فردياً” تم احتواؤه، مع تعهد بإنهاء التوترات ومواصلة الإجراءات القانونية.
رفع العشرات اعتصاماً صامتاً وسط السقيلبية السبت رافعين لافتات تطالب بـ “لا للسلاح المنفلت.. نعم لدولة سورية تضم جميع مكوناتها”، و”لا للجيش من لون واحد” و”لا للإعلام الكاذب”. طالب المتظاهرون بمحاسبة المتورطين والعناصر الأمنية المسؤولة عن الحادث.
أدانت بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس ما وصفته بـ “هجوم وترهيب” على السقيلبية، مطالبة بفتح تحقيق رسمي ومحاسبة المتورطين.
موجات من العنف الطائفي تهز الاستقرار
الحادثة في السقيلبية ليست معزولة. شهدت سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وحتى وصول فصائل معارضة بقيادة هيئة تحرير الشام إلى السلطة، موجات متكررة من العنف الطائفي. كانت أبرز هذه الحوادث مشاهد العنف على الساحل السوري في مارس 2025 حين استهدف مسلحون مدنيين علويين، بعد أن اتهمت السلطات الجديدة أنصاراً مسلحين للرئيس السابق بشار الأسد بإشعال العنف عبر مهاجمة قوات الأمن.
شهدت محافظة السويداء، معقل الأقلية الدرزية في سوريا، اشتباكات دموية في يوليو 2025 بين مسلحين درز ومقاتلين من البدو، تصاعدت بعد تدخل القوات الحكومية وانضمام مسلحي العشائر، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى كثيرين.
الخلاصة:
يأتي موعد زيارة الرئيس الشرع لألمانيا وبريطانيا في لحظة فاصلة لسوريا الجديدة. فبينما تنفتح أوروبا على دمشق وتستثمر في استقرارها الاقتصادي، تواصل سوريا صراعها مع التوترات الطائفية والأمنية المتجذرة. تعكس الزيارة الطموح السوري للاندماج الدولي والخروج من الحصار الاقتصادي، بينما تكشف أحداث السقيلبية عن هشاشة الاستقرار الداخلي وحاجة الحكومة الجديدة إلى بناء ثقة حقيقية بين جميع المكونات الاجتماعية.






