دهوك – الكهرباء مقطوعة في أغلب الوقت، والإنترنت ضعيف، والمكان مخيم للنازحين في دهوك. ومع ذلك، لا يستغرق حجي خدر قولو أكثر من نصف ساعة لإنجاز الفيديو الواحد. أصعب ما فيه، كما يقول، ليس الكهرباء ولا الإنترنت، بل أن يظهر النص داخل الفيديو في اللحظة المطلوبة بالضبط.
حجي خدر قولو، أو «حجكو» كما يعرفه متابعوه، شاب إيزيدي في السادسة والعشرين من قضاء سنجار، يعيش في مخيم خانكي بمحافظة دهوك. بدأ التصميم عام 2021 كهواية، ويصنع اليوم مقاطع تجمع بين كرة القدم والأغاني الإيزيدية. أحد تصاميمه عن النجم الفرنسي كيليان مبابي تجاوز 3.7 مليون مشاهدة، ويتابع حسابه على تيك توك أكثر من 55 ألف شخص وقت إجراء هذه المقابلة. ولا يملك لكل هذا سوى هاتف محمول.
والإيزيديون أقلية دينية عراقية ذات تاريخ قديم، يتركز وجودها في سنجار وفي قضاء الشيخان ومعبد لالش بدهوك. وفي آب 2014، وإثر الهجوم الذي تعرّضت له سنجار، نزح مئات الآلاف منهم نحو إقليم كردستان، ولا يزال عدد كبير منهم في مخيمات دهوك حتى اليوم. وبين هؤلاء نشأ جيل كامل بعيداً عن سنجار، وهو الجيل الذي يصنع له حجكو مقاطعه.
في حديثه إلينا، لا يتحدث حجكو عن السياسة ولا عن الأرقام. يتحدث عن أغنية تذكّره بأصوله، وعن عيد كانت الورود الحمراء تزهر فيه في كل مكان، وعن أقوال وعلوم يخاف أن تضيع لأن أحداً لم يدوّنها.
نص المقابلة
أجرينا المقابلة كتابياً، وهذه أسئلتنا وإجاباته كما وصلتنا.
١. بالبداية، عرّفنا عليك. من هو حجي خدر قولو؟ وماذا كنت تتمنى أن تصبح وأنت صغير؟
أنا حجي خدر قولو، المعروف بـ حجكو، شاب إيزيدي من سنجار. وأنا صغير كنت أحلم أن أصبح لاعب كرة قدم.
٢. ما أجمل ما بقي في ذاكرتك عن سنجار؟
أجمل ذكرى بقيت معي من سنجار هي اللعب مع أصدقاء طفولتي.
٣. كيف يمر يومك الآن؟
يومي أقضيه بالاعتناء بعائلتي والعمل لأعيلهم، وفي بقية الوقت، عندما أكون متفرغاً قليلاً، أصمّم وأنشر.
٤. ما الذي دفعك لتبدأ بصناعة هذه التصاميم؟ هل كانت فكرة جاءت فجأة، أم شيء كنت تفكر به منذ مدة؟
أحببت التصميم منذ وقت طويل، وكان شغفاً وهواية بالنسبة لي، وبدأت عام 2021.
٥. كم وقتاً يأخذ منك الفيديو الواحد؟ وما أكثر شيء يتعبك في العمل، وأنت تصنع كل هذا بهاتف واحد؟
الفيديو الواحد يأخذ مني تقريباً نصف ساعة. أصعب شيء فيه هو النص داخل الفيديو، لأنه يجب أن يظهر في اللحظة المطلوبة بالضبط. أما الظروف فكلها متعبة: الإنترنت ضعيف، والمكان مخيم والحياة صعبة، والكهرباء دائماً مقطوعة.
٦. ما الأغنية الإيزيدية التي تعود إليها دائماً؟ ولماذا هي بالذات؟
أغنية «شرفدينو»، لأنها تذكّرني بديني وثقافتي وأصولي.
٧. كثير من الناس لا يعرفون عن الإيزيديين إلا القليل. لو أردت أن تعرّفهم على مجتمعك بكلماتك أنت، ماذا تقول لهم؟
الإيزيديون أقلية دينية مسالمة، ذات أصول وتاريخ قديم جداً.
٨. ما الصورة الخاطئة التي تتمنى أن تتغير عن الإيزيديين؟ وما الشيء الذي تتمنى أن يعرفه الناس عنكم ولا يعرفونه؟
نحن من أوائل الموحّدين، نعبد الله وحده ونقدّس الطبيعة، ولسنا كفاراً كما يعتقد البعض. وفي اعتقادنا الله هو صاحب الأمر الوحيد، ولا سلطة لأحد من البشر على حياة غيره، ولا يملك أحد قرار إنهاء حياة إنسان آخر، لأن الحياة يهبها الله، وهو وحده من يملك أخذها أو إبقاءها.
٩. عندكم أعياد ومناسبات لا يعرفها كثيرون. صف لنا واحداً منها كما كان يُعاش في سنجار. وكيف أصبح اليوم؟
أحب عيد الأربعاء الأحمر، لأننا كنا نجتمع فيه مع الأحباب والأصدقاء ونحتفل معاً، وكانت الورود الحمراء تزهر في كل مكان في سنجار. أما اليوم فالعيش في المخيم لا يعطي ذلك الشعور الجميل، ولا نلتقي بكل من نحبهم، فقد افترقنا: بعضهم هاجر بسبب الظروف، وبعضهم ما زال مفقوداً حتى الآن، وبعضهم توفّي أو استشهد بعد هجوم داعش على سنجار في آب 2014.
١٠. أهل سنجار اليوم متفرقون بين أماكن كثيرة. ما الذي ما زال يجمعهم برأيك؟
الهوية الإيزيدية هي أساس المجتمع السنجاري، وهي ما يجمعنا.
١١. ما الذي تخاف أن ينساه الجيل الجديد؟
أخاف أن تُنسى الأقوال والعلوم الإيزيدية، لأنها غير مكتوبة، وإنما تنتقل من جيل إلى جيل بالنقل الشفهي.
١٢. ماذا دار في بالك عندما تجاوز فيديو مبابي 3.7 مليون مشاهدة؟
عندما انتشر فيديو مبابي ووصل إلى 3.7 مليون مشاهدة، كان شعوراً جميلاً ورائعاً، لأنه جعلني أحس أنني أقترب من النجاح أكثر فأكثر.
(شاهد الفيديو من خلال هذا الرابط)
١٣. حدّثنا عن رسالة من أحد المتابعين بقيت في بالك.
أحد المتابعين قال لي مرة: «أعرف أنك ستصل إلى كل ما تتمناه على مواقع التواصل الاجتماعي، وستحقق حلمك على هذه المنصة».
١٤. بالختام، ما الرسالة التي تحب أن توجّهها للإيزيديين ولأهل سنجار؟
اصمدوا وتمسّكوا بالإيمان والأمل، فمهما طالت الظروف الفرج قريب.
هاتف واحد وجسر إلى سنجار
ما يفعله حجكو لا يبدو كبيراً من الخارج: مقاطع قصيرة، أغنية قديمة، لقطة كرة قدم، ونص يظهر في وقته. لكنه في جوهره فعل حفظ. فالمجتمع الذي يتحدث عنه يحمل تراثاً شفهياً غير مدوّن، تناقلته الأجيال بالحكاية والأغنية، ثم تفرّق أهله بين المخيمات والمهجر. وفي مثل هذه الحالة، يصبح كل من يُحيي أغنية أو عادة أو ذكرى حلقةً في سلسلة لم تنقطع بعد.
وحين يقول إنه يخاف أن تُنسى الأقوال والعلوم الإيزيدية لأن أحداً لم يكتبها، فإنه لا يتحدث عن نفسه وحده، بل عن جيل كامل من أبناء سنجار وُلد أو كبر خارجها، ولم يعرف بلده إلا عبر الشاشة. وبين هذا الجيل وبين سنجار، صار هاتف شاب في مخيم خانكي أحد الجسور القليلة الباقية.
يمكنكم متابعة حجكو على تيك توك عبر حسابه: @haji_k_q





