يعيش آلاف الإيرانيين في دبي واقعاً معقداً وحساساً منذ اندلاع الحرب بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي في أواخر شباط الماضي. الجالية الإيرانية في دبي، التي بنت حياتها واستثماراتها على مدار عقود في هذه المدينة التجارية الخليجية، تجد نفسها الآن في موقف معقد بين ولاء للوطن الأصلي وحياة في دولة تشهد توتراً دبلوماسياً متزايداً مع طهران. يصف التجار والعاملون الإيرانيون وضعهم بـ”الحساس” وسط تداعيات الهجمات الإيرانية على المدينة وتبعاتها الاقتصادية والأمنية.
يعكس وضع هذه الجالية صراعاً أعمق حول الهويات المتعددة والانتماءات المقسمة في لحظة حرجة من تاريخ المنطقة.
الحياة الاقتصادية تتراجع وسط الحرب
يجلس التاجر مرتضى أسعدي في متجره بقلب حي تاريخي بدبي، مشدداً على تراجع واضح في النشاط الاقتصادي منذ الهجمات الإيرانية على المدينة. يوضح أسعدي أن وضع الإيرانيين في الإمارة بات “حساساً” في ظل تدهور العلاقات بين دولة الاستقبال وبلدهم الأم، بينما يهدد القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران بـ”أيام قاتمة” لبلادهم، وتضر هجمات طهران بأعمالهم وحياتهم في المنطقة.
مع تراجع إقبال الزبائن على المتاجر والمتسوقين بسبب الوضع الأمني، يبدي التجار الإيرانيون قلقاً متزايداً على “لقمة عيشهم”. يقول أسعدي واصفاً الوضع: “كأنك مدعو إلى بيت أحدهم، ثم يؤذي طفلك ابن مضيفك” وهي استعارة تعكس الحرج والضيق الذي يشعر به الإيرانيون في دبي.
تراجع في قطاعات اقتصادية متعددة
يشهد عدد من القطاعات الاقتصادية ركوداً واضحاً:
التجارة والبيع بالتجزئة: انخفاض حاد في عدد الزبائن والمتسوقين
قطاع العقارات: تباطؤ في معاملات البيع والاستثمار
الفنادق والسياحة: تراجع في حركة السياح وعائدات المؤسسات
الخدمات المالية: تجميد محتمل للأصول الإيرانية في الإمارات
قصة جالية عريقة تعود إلى عقود
تستضيف دبي جالية إيرانية كبيرة وعريقة، حيث وصل عدد منهم منذ عشرينيات القرن الماضي بحثاً عن فرص اقتصادية أفضل. كان والد مرتضى أسعدي من بين هؤلاء الأوائل الذين اختاروا دبي وطناً اقتصادياً بديلاً يوفر استقراراً مالياً وأماناً نسبياً.
كانت القاعدة غير المكتوبة على مدار هذه العقود واضحة: عدم التدخل في السياسة والتركيز على الأعمال والتجارة. لكن كما يقول أسعدي بأسف: “للأسف، السياسة تلحق بك أحيانا”. على الرغم من أن دبي هي “مدينتهم نوعاً ما”، فإن الأحداث السياسية الإقليمية لا تسمح بالعزلة الاقتصادية البحتة.
الإمارات ترد على الهجمات الإيرانية
ردت إيران على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على أراضيها في 28 شباط الماضي بشن هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على الإمارات. استهدفت هذه الهجمات مواقع حساسة وسياحية مثل مطار دبي والجزيرة الاصطناعية “النخلة” والفندق الشهير “برج العرب”.
وفقاً للسلطات الإماراتية، تمكنت الدفاعات من اعتراض معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن تم تسجيل سقوط ستة قتلى بينهم أربعة مدنيين وعسكريان. كما استهدفت المسيّرات قنصلية الإمارات في إقليم كردستان العراق، مما أسفر عن أضرار مادية دون إصابات.
الرد الإماراتي الدبلوماسي والسياسي
ردت الإمارات على الهجمات بخطوات دبلوماسية حازمة:
إغلاق السفارة: أغلقت الإمارات سفارتها في طهران واستدعت سفيرها
الموقف الدفاعي: استبعدت المشاركة في أي هجمات انتقامية ضد إيران في المرحلة الراهنة
الدراسات المالية: درست السلطات الإماراتية فرضية تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية (وفقاً لتقارير وول ستريت جورنال)
الشجب الدولي: أدانت الهجمات باعتبارها انتهاكاً “صارخاً” للقوانين الدولية
العلاقات الاقتصادية تبقى محورية
على الرغم من التوترات الدبلوماسية الحالية، حافظت الإمارات على روابط اقتصادية متينة مع إيران على مدى سنوات، حيث تمثل إيران ثاني أهم شريك تجاري لدولة الإمارات.
تشكل دبي بيئة الأعمال المواتية والضرائب المنخفضة، ملاذاً جاذباً للمستثمرين الإيرانيين، خاصة أولئك الذين يسعون للإفلات من العقوبات الدولية المفروضة على الجمهورية الإسلامية. وفقاً لمركز الأبحاث الأمريكي “المجلس الأطلسي”، لعبت دبي دوراً محورياً في هذا الجانب منذ سنوات.
أصوات من الجالية: ما بين الحياة والانتماء
يروي التاجر علي أكبر، صاحب مطعم صغير يعمل منذ عام 1991 في حي شعبي بدبي، تراجعاً لافتاً في عدد الزبائن. لكنه يحافظ على تفاؤله ويوضح في حديثه بالعربية: “إيران ليست لديها مشكلة مع الإمارات، المشكلة مع الأميركيين. الإماراتيون إخواننا” ويضيف بأمل: “إن شاء الله، سينتهي كل هذا قريباً”.
يعكس هذا الموقف محاولة الجالية للفصل بين موقفها من السياسة الإيرانية من جهة والعلاقات مع دولة الاستقبال من جهة أخرى، محاولة لتجاوز الأزمة الحالية.
شباب إيراني بين الخوف والأمل
سوروش هلالي، ممثل إيراني بلجيكي يبلغ 34 عاماً، اختار الاستقرار في دبي قبل عام. يعترف بشعوره بالخوف أحياناً، لكنه يضع الأمور في سياقها حين يرى القصف الذي يطال بلده. يتحدث عن “ألم” المنفى وعن والديه اللذين غادرا إيران قبل أكثر من عشرين عاماً بحثاً عن الأمن والاستقرار، وينصحانه الآن بالعودة إلى بلجيكا.
يقول هلالي بوضوح معبراً عن موقفه: “لا أعتقد أن القنابل يمكن أن تجلب الحرية والديموقراطية… رغم أنني أدرك تماماً مدى صعوبة الوضع بالنسبة للإيرانيين”. ويختتم بحزم: “لكنني لا أؤمن بأن الحرب حل. لأي أحد كان”.
يعكس موقف الشاب الإيراني صراعاً يعيشه جيل من الإيرانيين في المنفى: الرغبة في السلام والرفض المبدئي للحرب كحل، مع الاعتراف بالمعاناة التي يعاني منها الوطن الأصلي.
ديناميات معقدة: الهويات المتعددة والانتماءات المقسمة
يعكس وضع الجالية الإيرانية في دبي ظاهرة أوسع تتعلق بالهجرة والاستثمار والانتماء في المنطقة. فالإيرانيون الذين بنوا حياتهم في الإمارات لا يستطيعون بسهولة الفصل بين حبهم لبلادهم الأصلية واحترامهم لدولة الاستقبال التي وفرت لهم الاستقرار والفرص الاقتصادية.
هذا التعقيد يعني أن الأزمة الإقليمية الحالية لا تؤثر فقط على الاقتصاد والأعمال، بل على الهويات الشخصية والعائلية للجالية بأسرها.
Conclusion:
الجالية الإيرانية في دبي تواجه حالة من عدم اليقين والتحدي. بين الالتزامات الاقتصادية تجاه دولة الإمارات والمشاعر الوطنية تجاه إيران، تعيش هذه الجالية فترة حساسة قد تغير مسار حياتهم ومستقبلهم في الخليج. في حين يأمل البعض بانتهاء الأزمة قريباً، يبقى الواقع أن الحرب الإقليمية قد غيرت الحسابات الاقتصادية والأمنية والعاطفية للملايين في المنطقة.






