شهدت الساحة الميدانية ليل الأربعاء إلى فجر الخميس تصعيداً واسعاً تمثل في تبادل الهجمات بين موسكو وكييف بصورة غير مسبوقة، حيث تعرضت العاصمة الأوكرانية لقصف صاروخي باليستي وهجمات بالطائرات المسيرة أسفرت عن سقوط قتيلين وإصابة العشرات بجروح، في حين أعلنت السلطات الروسية رصد وتدمير موجة هجومية ضخمة ضمت مئات الطائرات المسيرة أُطلقت باتجاه منطقة موسكو.
وجاء هذا الانفجار العسكري الميداني بعد ساعات قليلة من انتهاء جولة محادثات مطولة عقدت في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية بين الرئيس فلاديمير بوتين والمبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف، والتي شارك فيها مستشار الرئاسة الأمريكية جاريد كوشنر عبر تقنية الاتصال المرئي، في إطار مساعٍ دبلوماسية مكثفة تبذلها واشنطن لدفع الأطراف نحو وقف القتال.
ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أعقاب اللقاء أن تسوية النزاع باتت قريبة، فإن المشهد الميداني أظهر فجوة عميقة بين المسارات الدبلوماسية وواقع الجبهات المشتعلة، في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية المستمرة منذ 24 فبراير 2022 في فرض ضغوط إنسانية وأمنية هائلة على البنى التحتية للمدن ومرافق النقل والطاقة.
تداعيات قصف كييف والأضرار في البنية التحتية
أعلنت السلطات المحلية وهيئة الطوارئ الأوكرانية في العاصمة كييف مقتل شخصين وإصابة ما لا يقل عن 15 آخرين، إلى جانب إصابة العشرات في عموم الأحياء السكنية نتيجة سقوط الصواريخ وشظايا القذائف الباليستية والطائرات المسيرة التي استهدفت أحياء متعددة طوال ساعات الليل.
وأكد رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو أن الهجمات ألحقت أضراراً مادية مباشرة بالبنى التحتية الحيوية، مشيراً إلى تضرر جزء من مسار قطارات مترو الأنفاق فوق جسر بيفديني الاستراتيجي، بالإضافة إلى اشتعال النيران في مبانٍ ومرافق نقل مدنية، مما دفع فرق الإغاثة إلى استنفار كوادرها للسيطرة على الحرائق وإجلاء السكان المتضررين من محيط المواقع المستهدفة.
تفاصيل الخسائر والأضرار في العاصمة الأوكرانية
– مقتل شخصين وإصابة العشرات بجروح متفاوتة جراء الشظايا والانفجارات في مناطق متفرقة.
– استهداف البنية التحتية لمترو الأنفاق على جسر بيفديني وتعطل مؤقت في حركة النقل.
– تسجيل أضرار في مجمعات سكنية ومبانٍ خدمية في عدد من الأحياء الشرقية والغربية.
– انتشار فرق الإسعاف والدفاع المدني لرفع الأنقاض وإعادة فتح مسارات الطرق المغلقة.
سماء موسكو تحت وطأة مئات الطائرات المسيرة
على الجانب الروسي، أعلن رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين أن دفاعات الجيش الجوية تعاملت مع هجوم جوي واسع النطاق استهدف العاصمة ومحيطها بين مساء الأربعاء وفجر الخميس، مؤكداً رصد 630 طائرة مسيرة كانت تتجه نحو مقاطعة موسكو.
وأوضح سوبيانين أن منظومات الرصد والاعتراض الصاروخي والمدفعي نجحت في تدمير الغالبية العظمى من هذه المسيرات قبل بلوغ أهدافها، مشيراً إلى إصابة شخصين بجروح نتيجة تساقط الحطام، في حين باشرت الأجهزة الأمنية ومصالح الطوارئ فحص وتأمين المناطق المفتوحة التي شهدت سقوط أجزاء من حطام الطائرات المنفجرة.
أرقام وتفاصيل الموجة الجوية فوق منطقة موسكو
– رصد واعتراض نحو 630 طائرة مسيرة أُطلقت خلال فترة زمنية امتدت لنحو ثماني ساعات.
– تدمير الدفاعات الجوية لأغلب الأهداف في أجواء المناطق المحيطة بالعاصمة الروسية.
– تسجيل إصابتين بين المدنيين جراء تساقط الشظايا وحطام المسيرات المعترضة.
– رفع جاهزية أطواق الحماية الرادارية والمراقبة الجوية حول المطارات والمنشآت الحيوية في المقاطعة.
مخرجات محادثات سانت بطرسبورغ بين بوتين وويتكوف
تزامن هذا التصعيد مع انتهاء لقاء سانت بطرسبورغ بين الرئيس فلاديمير بوتين والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، والذي استمر نحو ثلاث ساعات في حوار وصفه مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف بأنه كان صريحاً ومفصلاً وتناول آفاق التهدئة.
وأفاد أوشاكوف بأن المبعوث الأمريكي نقل عناصر ومقاربات جديدة تمت مناقشتها في قمة أوسلو الأخيرة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقادة النرويج وفنلندا، غير أن موسكو اعتبرت تلك الطروحات غير متكاملة وتفتقر إلى المضمون العملي في صيغتها الحالية.
ومع ذلك، أكد أوشاكوف أن بوتين أبلغ الوفد الأمريكي باستعداد روسيا المبدئي لاستئناف المفاوضات السياسية الثلاثية حول أوكرانيا في حدود العاشر من تشرين الثاني نوفمبر، وهو الموعد الذي يتزامن مع انقضاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في وقت وصف فيه ويتكوف المباحثات بالبناءة، مشيراً إلى التحضير للقاءات ثلاثية على المستوى الفني لتقريب وجهات النظر.
محاور المسار السياسي والتفاوضي المرتقب
– إمكانية استئناف محادثات ثلاثية تضم ممثلين عن واشنطن وموسكو وكييف في تشرين الثاني.
– بحث المقترح الأوكراني والأوروبي المطروح في أوسلو بشأن وقف القتال عند خطوط التماس الحالية.
– تشكيل لجان فنية تخصصية لمعالجة القضايا الأمنية وضمانات السيادة الإقليمية.
– استمرار التنسيق بين المبعوثين الأمريكيين والوسطاء لتوفير أرضية مقبولة لبدء الحوار المباشر.
تعقيدات الميدان وصعوبة التثبت المستقل
تعكس البيانات المتبادلة استمرار نمط حرب الاستنزاف واستخدام الضربات الجوية العميقة كورقة ضغط تفاوضية تسبق أي جولات حوار محتملة، حيث يسعى كل طرف إلى استعراض قدرته على إلحاق خسائر موجعة في عمق الطرف الآخر وتكبيده كلفاً باهظة في البنى التحتية.
ويشير الخبراء إلى صعوبة التحقق المستقل من تفاصيل الخسائر العسكرية المعلنة من الطرفين نتيجة استمرار العمليات الحربية والسرية المفروضة على المواقع المستهدفة، ما يجعل بيانات الدفاع والبلديات المصدر الأساسي لرصد تداعيات القصف المتبادل في المدن والمناطق الحدودية.
الخاتمة:
يؤكد اتساع رقعة تبادل الهجمات بين موسكو وكييف أن الطريق نحو التسوية السياسية لا يزال محفوفاً بتعقيدات ميدانية بالغة الصعوبة، وعلى الرغم من التحركات الدبلوماسية للمبعوثين الأمريكيين والحديث عن جولات تفاوضية في تشرين الثاني، فإن صمود أي مسار سلمي سيبقى مرهوناً بوقف الضربات التي تطال المدنيين والمرافق الحيوية على جانبي خط المواجهة.






