أعلنت السلطات القضائية والأمنية في باريس عن تشديد الإجراءات القانونية والميدانية لاحتواء تداعيات الاضطرابات الأخيرة، حيث أكد وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إيداع 174 شخصاً في السجون على خلفية أعمال العنف في فرنسا التي رافقت المظاهرات الحاشدة المنددة بتدهور الأوضاع الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وتزامنت هذه التحركات القضائية مع إصدار محافظة منطقة رون مرسوماً رسمياً يفرض حظراً شاملاً لكافة أشكال الاحتجاجات والتجمعات الشعبية في مدينة ليون، ثالث كبرى المدن الفرنسية، والمقررة يوم السبت المقبل، في مسعى لمنع تكرار مشاهد الفوضى والاشتباكات التي شهدتها المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع المنصرمة.
وتعكس هذه القرارات الصارمة حالة الاستنفار الأمني والقلق السياسي لدى حكومة باريس من اتساع رقعة الحراك الشعبي، في ظل دعوات أطلقتها نقابات عمالية وتنسيقيات حركة السترات الصفراء لتنظيم يوم احتجاجي واسع على مستوى البلاد، تمهيداً للإضراب العام المزمع تنفيذه مطلع شهر نوفمبر المقبل.
ملاحقات قضائية صارمة وسجن العشرات عقب أعمال العنف في فرنسا
أوضح وزير العدل جيرالد دارمانان، خلال تصريحات صحفية أدلى بها أثناء زيارته الميدانية لمدينة مرسيليا، أن الأجهزة الأمنية احتجزت نحو 2500 شخص في مختلف الأقاليم والمقاطعات للاشتباه في تورطهم بجرائم التخريب وإضرام النيران والنهب المنظم، مشيراً إلى أن النيابة العامة أحالت 917 متهماً إلى المحاكم لملاحقتهم ومحاكمتهم بصفة عاجلة.
وبيّن دارمانان أن 174 شخصاً جرى إيداعهم الحبس الفعلي، سواء بقرارات توقيف على ذمة التحقيقات القضائية المعمقة أو بموجب أحكام بالسجن النافذ صدرت بعد إجراءات التقاضي السريع، لافتاً إلى أن التحقيقات أظهرت أن بعض الموقوفين يخضعون لهذه الإجراءات العقابية لأول مرة ولا يمتلكون أي سوابق جنائية مسجلة في الدوائر الأمنية.
وشدد وزير العدل على أن السلطات القضائية تواصل معالجة ملفات الاعتداء على قوات الشرطة وتخريب الممتلكات العامة والخاصة بمنتهى الحزم والصرامة، مؤكداً في الوقت ذاته التزام الدولة بمبدأ استقلال القضاء وحياديته في تطبيق نصوص القانون على المتورطين.
أرقام وإحصائيات الملاحقات القضائية والأمنية في فرنسا
– توقيف واحتجاز قرابة 2500 شخص من قِبل الشرطة الفرنسية في مختلف المدن.
– إحالة 917 متهماً إلى النيابة العامة والقضاء لمحاكمتهم في قضايا تخريب واعتداء.
– إيداع 174 شخصاً في السجون تنفيذاً لأحكام قضائية فورية أو على ذمة التحقيق.
– تورط فئات لا تملك سوابق جنائية في أعمال التخريب والنهب خلال المظاهرات.
بلدية ومحافظة ليون تحظران التظاهر بعد ساعات من الفوضى
في مدينة ليون، قررت السلطات الإدارية منع أي تحركات في الشارع خلال يوم السبت 24 أكتوبر، وذلك بموجب قرار صادر عن محافظ منطقة رون، استناداً إلى تقارير أمنية حذرت من خطورة تجدد المواجهات ودخول عناصر ملثمة بين صفوف المحتجين السلميين لارتكاب أعمال شغب.
من جانبه، صرح رئيس بلدية ليون غريغوري دوسيه بأن المدينة عاشت ساعات عصيبة من الفوضى العارمة خلال أحداث السبت الماضي، حيث استغل مئات الشبان التظاهرات لاقتحام المراكز التجارية، مما أدى إلى نهب وتخريب ما بين 150 و200 متجر ومحل تجاري، فضلاً عن إضرام النيران عمداً في مكتب السياحة المحلي، في حين تمكنت الشرطة من اعتقال نحو 200 شخص داخل المدينة وحدها.
وتشهد باريس وليون وعدد من المدن الصناعية تطبيق قرارات حظر تجول ليلي مؤقت امتد لثلاث ليالٍ في بعض الأحياء والمربعات التجارية الحساسة، في محاولة استباقية لحماية المتاجر ومحطات النقل من الهجمات التخريبية.
خريطة الإجراءات الاحترازية ومطالب الحراك الشعبي
– حظر كامل للتظاهر في ليون يوم السبت لتفادي تكرار الاعتداء على المرافق والمتاجر.
– فرض حظر تجول ليلي في أحياء محددة من باريس وليون ومدن الشمال لحفظ الأمن.
– مطالب مركزية تشمل خفض أسعار الطاقة والوقود والسلع الاستهلاكية الأساسية.
– زيادة مخصصات التعليم العام وتحسين جودة الخدمات الصحية والمرافق الحكومية.
تصاعد الحراك النقابي وترقب إضراب 5 نوفمبر
تأتي هذه التدابير في وقت يزداد فيه التباعد بين الشارع الفرنسي والمؤسسات الحكومية، إذ يشتكي المحتجون من غياب استجابة حقيقية للمطالب المعيشية والاجتماعية التي تسببت في نزول آلاف العمال والمزارعين وطلاب الجامعات وتلاميذ المدارس إلى الميادين.
ولم تفلح الإجراءات الأمنية في ثني الجهات الداعية للاحتجاج، حيث جددت تنسيقيات حركة السترات الصفراء وعدد من النقابات العمالية تمسكها بالنزول إلى الشوارع يوم السبت، بالتزامن مع التحشيد ليوم إضراب عام واسع وتظاهرات مركزية في الخامس من نوفمبر المقبل، مما ينذر باستمرار حالة الاحتقان السياسي والاقتصادي في البلاد.
ويرى مراقبون أن اعتماد المقاربة الأمنية والقضائية من دون تقديم مبادرات اقتصادية ملموسة لمعالجة الغلاء ونقص موارد الخدمات العامة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الغضب الاجتماعي، مما يضع حكومة باريس أمام تحديات متزايدة للحفاظ على النظام العام والاستقرار الداخلي.
الخاتمة:
تعكس ملاحقة مئات المتظاهرين وقرارات حظر التظاهر في ليون عمق الأزمة التي خلفتها الاحتجاجات الاقتصادية الأخيرة، ومع استمرار محاكمة المتهمين في أعمال العنف في فرنسا وإصرار النقابات على تصعيد الحراك، يبقى الرهان معلقاً على مدى قدرة باريس على فتح قنوات حوار فاعلة لاحتواء التوترات قبل موعد الإضراب العام المرتقب.






