بدأت الولايات المتحدة مراجعة شاملة لوجودها العسكري في أوروبا، في خطوة تعكس تحولاً في استراتيجية واشنطن تجاه حلفائها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع مطالبتهم بتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع تصاعد التوتر السياسي بين واشنطن وباريس، بعدما انسحب الوفد الأمريكي من اجتماع بالأمم المتحدة احتجاجاً على انتقادات فرنسية لإدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن ملف حقوق الإنسان، في مؤشر على اتساع الخلافات بين الجانبين إلى ملفات تتجاوز الأمن والدفاع.
مراجعة الوجود العسكري تعيد رسم العلاقة مع الحلفاء
أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية بدء مراجعة انتشار قواتها في أوروبا، موضحة أن الهدف يتمثل في تسريع انتقال حلف الناتو إلى نموذج تتحمل فيه الدول الأوروبية المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي.
وقال وكيل وزارة الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي إن المراجعة ستكون “حقيقية”، وتهدف إلى ضمان أن يتحرك الحلف بسرعة نحو منظومة دفاعية أكثر عدالة واستدامة، بما ينسجم مع التوجهات التي أعلنها وزير الدفاع بيت هيغسيث خلال اجتماع وزراء دفاع الناتو.
كما جددت واشنطن انتقاداتها للدول الأوروبية التي رفضت السماح باستخدام قواعد الناتو خلال الحرب مع إيران، ملوحة بإعادة النظر في مستوى مساهمتها العسكرية إذا لم يلتزم الحلفاء بتعهداتهم الخاصة برفع الإنفاق الدفاعي.
ضغوط أمريكية لزيادة الإنفاق العسكري
تربط الإدارة الأمريكية استمرار التزامها العسكري في أوروبا بزيادة مساهمة الحلفاء في الدفاع الجماعي، بعد تعهد دول الناتو خلال قمة لاهاي برفع الإنفاق الأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، منها 3.5% مخصصة للنفقات العسكرية المباشرة.
وترى واشنطن أن المرحلة المقبلة تتطلب توزيعاً مختلفاً للأعباء العسكرية، بما يقلل اعتماد أوروبا على القوات الأمريكية المنتشرة في القارة منذ عقود.
خلاف دبلوماسي في الأمم المتحدة يعمّق الأزمة
بالتوازي مع التحركات العسكرية، شهدت الأمم المتحدة مواجهة دبلوماسية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وفرنسا، بعدما انسحب الوفد الأمريكي من اجتماع أثناء كلمة الوفد الفرنسي، احتجاجاً على انتقادات باريس لسجل إدارة الرئيس دونالد ترامب في مجال حقوق الإنسان.
وجاءت الأزمة بعد اعتراض واشنطن على تجديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في حين دعمت فرنسا القرار الذي أقرته الجمعية العامة بأغلبية كبيرة.
واتهم نائب السفير الأمريكي فرنسا بمحاولة تقديم نفسها كمرجعية أخلاقية في قضايا حقوق الإنسان، مؤكداً أن بلاده لن تستمر في تجاهل ما وصفه بـ”الاستعراض السياسي” داخل المؤسسات الدولية.
التوتر يتجاوز ملف حقوق الإنسان
لم يكن الخلاف داخل الأمم المتحدة معزولاً عن بقية الملفات العالقة بين الجانبين، إذ جاء في وقت تتزايد فيه الخلافات بشأن مستقبل حلف الناتو، والوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، والتعامل مع تداعيات الحرب مع إيران، فضلاً عن تباين المواقف بشأن عدد من القضايا الأمنية والاستراتيجية.
كما يعكس هذا التصعيد تراجع مستوى التنسيق السياسي بين إدارة ترامب وعدد من العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، التي تبنت خلال الأشهر الأخيرة مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الأمريكية.
الناتو أمام مرحلة إعادة هيكلة
يرى مراقبون أن مراجعة الانتشار العسكري الأمريكي قد تشكل بداية لإعادة صياغة دور الناتو خلال السنوات المقبلة، خاصة مع إصرار واشنطن على تقليص اعتماد أوروبا على القوات الأمريكية.
وتأتي هذه المراجعة في ظل نقاشات متواصلة حول مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي في القارة، وإمكانية إعادة توزيع القوات والقدرات العسكرية بما يتناسب مع أولويات الأمن القومي الأمريكي في مناطق أخرى من العالم.
هل تتغير طبيعة الشراكة عبر الأطلسي؟
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات الأمريكية الأوروبية لم تعد تقتصر على ملفات الإنفاق الدفاعي، بل امتدت إلى القضايا الدبلوماسية وحقوق الإنسان وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الدولية.
ويرى محللون أن تزامن مراجعة الوجود العسكري الأمريكي مع التصعيد الدبلوماسي في الأمم المتحدة يعكس مرحلة جديدة من العلاقات عبر الأطلسي، قد تشهد إعادة تعريف لأدوار الحلفاء وحدود الشراكة بين واشنطن والعواصم الأوروبية.
Conclusion
تكشف الخطوات الأمريكية الأخيرة عن مسارين متوازيين في العلاقة مع أوروبا؛ الأول يتمثل في إعادة تقييم الوجود العسكري داخل القارة والضغط على حلفاء الناتو لتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر، والثاني يتمثل في تصاعد الخلافات السياسية والدبلوماسية مع فرنسا داخل الأمم المتحدة. ويعكس تزامن هذين التطورين اتساع فجوة الخلاف بين واشنطن وعدد من شركائها الأوروبيين، في وقت تواجه فيه العلاقات عبر الأطلسي واحدة من أكثر مراحلها حساسية خلال السنوات الأخيرة.






