باريس، فرنسا – تواجه القيادة الإيرانية تحدياً هو الأكبر منذ سنوات مع استمرار الاحتجاجات التي اتسع نطاقها في مختلف أنحاء البلاد لأكثر من أسبوعين. وفيما يرى محللون أن هذه التحركات تشكل ضغطاً غير مسبوق على الجمهورية الإسلامية، لا يزال من المبكر الجزم بقدرتها على إحداث تغيير جذري في نظام الحكم.
انطلقت شرارة الحراك في أواخر ديسمبر/كانون الأول بإضراب للتجار في طهران احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، وسرعان ما تطورت إلى تظاهرات حاشدة في مدن عدة، رافعة شعارات سياسية تطالب بإنهاء النظام القائم منذ عام 1979.
واجهت السلطات هذه التحركات بحملة قمع شديدة، تشير منظمات حقوقية إلى أنها أسفرت عن مقتل المئات. وفي المقابل، نظمت الحكومة مسيرات مؤيدة للنظام يوم الاثنين، شارك فيها الآلاف دعماً للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وترى نيكول غراييفسكي، الأستاذة في معهد العلوم السياسية بباريس، أن “هذه الاحتجاجات قد تعد أخطر تحدٍ يواجه الجمهورية الإسلامية منذ سنوات، سواء من حيث الحجم أو مطالبها السياسية الصريحة”، لكنها تشير إلى أن “عمق وقدرة جهاز القمع في إيران” يجعلان من الصعب التكهن بالنتائج.
فيما يلي أبرز العوامل التي يرى المحللون أنها ستلعب دوراً حاسماً في تحديد مصير الاحتجاجات ومستقبل النظام في إيران.
– استمرارية الاحتجاجات
يعتقد توماس جونو، الأستاذ في جامعة أوتاوا، أن حجم الاحتجاجات هو عامل أساسي، موضحاً أنها “تتزايد، لكنها لم تبلغ بعد الكتلة البشرية الحرجة التي تمثل نقطة اللاعودة”. وقد شهدت التظاهرات زخماً كبيراً منذ الثامن من يناير/كانون الثاني، حيث تحولت من تجمعات محدودة إلى مسيرات يومية ضخمة في طهران والمدن الكبرى، في مشهد يعيد للأذهان احتجاجات عام 2022 بعد مقتل مهسا أميني.
– تماسك النخبة الحاكمة
يؤكد المحللون أن فرص التغيير تبقى ضئيلة ما لم تظهر تصدعات داخل النخبة الحاكمة، خاصة في المؤسستين العسكرية والأمنية. حتى الآن، لم تظهر أي مؤشرات على ذلك، حيث تكرر كافة أركان النظام، من الرئاسة إلى الحرس الثوري، خطاباً موحداً يلتزم بتوجيهات المرشد الأعلى بـ”عدم التراجع” في وجه المحتجين.
– التدخل العسكري الخارجي
يشير محللون إلى أن أي تدخل عسكري أمريكي أو إسرائيلي قد يغير مسار الأحداث بشكل جذري. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد هددت سابقاً بالتدخل، كما أن الضربات التي استهدفت منشآت نووية وقيادات إيرانية في الماضي كشفت عن مدى هشاشة الوضع الأمني. ويرى جونو أن “النظام أكثر عرضة للخطر مما كان عليه، داخلياً وجيوسياسياً، منذ أسوأ سنوات الحرب مع العراق”.
– وجود معارضة منظمة
على الرغم من الدور الذي يلعبه رضا بهلوي، نجل الشاه السابق، في حشد الدعم من الخارج، لا تزال المعارضة الإيرانية في الخارج منقسمة وغير قادرة على تشكيل قيادة موحدة. ويشير آرش عزيزي، المحاضر في جامعة يال، إلى أن المتظاهرين “يعانون من عدم امتلاك شبكات منظمة قادرة على الصمود”، وأن تنظيم إضرابات استراتيجية يتطلب قيادة لا تزال مفقودة.
– دور المرشد الأعلى
مستقبل قيادة النظام يبقى عاملاً محورياً، خاصة مع تقدم آية الله علي خامنئي في السن. ورغم أن مجلس خبراء القيادة هو المسؤول عن انتخاب خليفته، إلا أن هناك تبايناً في التقديرات حول من سيخلفه، وسط حديث عن دور محتمل لنجله مجتبى أو انتقال السلطة إلى قيادة جماعية قد يسيطر عليها الحرس الثوري.






