أكدت إيران الخميس موقفها الحازم من الحرب الجارية مع التحالف الأمريكي الإسرائيلي، مع تصريحات من قيادات دبلوماسية وأمنية حول عدم التراجع وضمان عدم فرض نزاع جديد في المستقبل. قال نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي لوكالة فرانس برس إن “إيران تريد أن تضمن ألا تُفرض الحرب مرة أخرى على إيران”، موضحاً أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية بدأت قبل يومين من محادثات سلام مقررة. في نفس الوقت، حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني من أن “الولايات المتحدة ستندم على خطئها الفادح في الحسابات”، مؤكداً أن إيران لن تتراجع حتى تحقق أهدافها. وفي تطور دراماتيكي، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي بأنه “لا يستطيع الظهور علنياً”، وأعلن أن هدف الحرب هو تمكين الإيرانيين من “إسقاط النظام”.
تعكس التصريحات المتبادلة حدة التوتر بين الطرفين وتصلب المواقف مع استمرار الحرب في دخول أسابيعها الثانية.
موقف إيران الدبلوماسي والأمني المترابط
قدم نائب وزير الخارجية الإيراني مجيد تخت روانجي رؤية واضحة لموقف إيران الاستراتيجي. قال في مقابلة مع فرانس برس: “نريد أن نضمن ألا تُفرض الحرب مرة أخرى على إيران”. وأشار إلى أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية جاءت قبل يومين من محادثات سلام مخطط لها بين واشنطن وطهران، وذلك بعد ثلاث جولات تفاوضية سابقة حققت “تقدماً كبيراً” وفقاً لما أعلنته سلطنة عمّان الوسيطة.
أكد تخت روانجي أن إيران “تتحرك دفاعاً عن النفس” وستستمر في الدفاع طالما كان ذلك ضرورياً. وحول السلوك العسكري الإيراني، أوضح أن طهران “قبل بدء الحرب وفي مناسبات مختلفة، أبلغت جيرانها أنه إذا انخرطت أمريكا في عدوان على إيران، فإن جميع الأصول الأمريكية وجميع القواعد الأمريكية ستكون أهدافاً مشروعة”.
السياق التاريخي والنمط المتكرر
وصف نائب الوزير الإيراني النمط المتكرر في العلاقات الأمريكية الإيرانية:
الهجوم الأول: بدأت إسرائيل والولايات المتحدة الهجوم في حزيران الماضي، مما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي
وقف مؤقت: بعد 12 يوماً من الهجمات الأولى، توقفت العمليات مؤقتاً
إعادة التنظيم: بعد 8 أو 9 أشهر أعاد التحالف الأمريكي الإسرائيلي تنظيم صفوفه وشن الهجوم الثاني في 28 شباط
الرسالة الإيرانية: “لا نريد أن نُعامل بهذه الطريقة مرة أخرى في المستقبل”
لاريجاني يرسل رسالة حازمة للولايات المتحدة
حمل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني رسالة حادة للإدارة الأمريكية. كتب عبر منصة إكس الخميس: “الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقول إنه يسعى إلى نصر سريع. ولكن إذا كان شن الحرب سهلاً، فإن كسبها غير ممكن ببضع تغريدات”.
أضاف لاريجاني بشكل قاطع: “لن نلين حتى نجعلكم تندمون على خطئكم الفادح هذا في الحسابات”. تعكس الرسالة الثقة الإيرانية بقدرتها على الصمود والاستمرار في المواجهة لفترة طويلة.
التحليل الاستراتيجي الإيراني
يشير موقف لاريجاني والقيادة الإيرانية إلى استراتيجية واضحة:
الصمود العسكري: الاستعداد لحرب طويلة الأمد ضد التحالف الأمريكي الإسرائيلي
عدم التسليم: عدم قبول شروط أمريكية من دون الحصول على مكاسب استراتيجية
إجبار الندم: محاولة إقناع القيادة الأمريكية بأن الحرب كانت خطأ في الحسابات
حرب الإرادات: تحويل الصراع إلى مسابقة إرادة بدلاً من قوة عسكرية بحتة
نتانياهو ينتقد المرشد الجديد ويعلن أهدافاً أوسع
من جانبه، لم يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الهجوم المباشر على القيادة الإيرانية الجديدة. قال في مداخلة متلفزة الخميس: “لقد قضينا على الطاغية السابق، والطاغية الجديد، دمية الحرس الثوري، لا يستطيع أن يظهر علنياً”.
جاءت هذه التصريحات بعد أن أصدرت طهران أول بيان رسمي من المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي تمت تلاوته عبر مذيع التلفاز الرسمي، وليس من خلال ظهور مباشر للمرشد نفسه.
الاستهداف الإسرائيلي للقيادة الإيرانية
يعكس نقد نتانياهو للمرشد الجديد استراتيجية إسرائيلية محددة:
الضغط النفسي: محاولة إظهار ضعف القيادة الإيرانية الجديدة
تقويض الشرعية: الادعاء بأن المرشد الجديد “دمية” من الحرس الثوري
تعزيز الحكاية الإسرائيلية: تقديم قصة نصر على مستوى القيادة
الدعوة للثورة: ربط الحرب بأهداف تغيير النظام الداخلي
الحرب كأداة لتغيير النظام
ذهب نتانياهو أبعد من النقد الشخصي ليعلن عن هدف استراتيجي أوسع. اعتبر أن هدف الحرب يجب أن يكون “تمكين الإيرانيين من إسقاط النظام”. تعكس هذه الرؤية نقلة في الأهداف الإسرائيلية من مجرد تحييد التهديد الإيراني إلى محاولة تحريك تغيير سياسي داخلي في إيران.
ادعاءات القوة والنصر المزعوم
أعلن نتانياهو أن “إسرائيل تسحق إيران وحزب الله اللبناني”، مؤكداً في مداخلة متلفزة أن الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة تحقق انتصارات حاسمة.
لكن هذه الادعاءات تتعارض مع الواقع على الأرض حيث تستمر إيران في العمليات العسكرية الفعالة وحزب الله في إطلاق الصواريخ بكثافة نحو إسرائيل. كما أن الحرب قد أدت إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، مما يشير إلى أن تأثير إيران على المنطقة بقي قوياً وفعالاً.
مؤشرات على عدم تحقق الادعاءات
تشير عدة مؤشرات إلى أن ادعاءات نتانياهو عن الحسم العسكري مبالغ فيها:
استمرار الهجمات الإيرانية: تواصل إيران العمليات العسكرية والانتقام
أزمة الطاقة العالمية: إيران تتحكم بـ 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية
تحالف حزب الله: حزب الله يواصل عملياته ضد إسرائيل بفعالية
الصمود الإيراني: بقاء النظام مستقراً رغم الضربات العسكرية
إيران تهدد بـ “إشعال النفط والغاز”
رفعت إيران منسوب التهديدات الخميس، حيث توعدت بـ “إشعال النفط والغاز في المنطقة” إذا تم استهداف بنيتها التحتية للطاقة. يعكس هذا التهديد قدرة إيران على تصعيد الأزمة الاقتصادية العالمية بشكل كبير.
إذا نفذت إيران هذا التهديد، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة وكارثة اقتصادية عالمية. أسعار النفط ارتفعت بالفعل إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل بسبب الحرب الحالية.
نفي إيران لاتهامات زرع الألغام
ردت إيران على اتهامات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن زرع الألغام في مضيق هرمز. أعلن ترامب الأربعاء أن الجيش الأمريكي ضرب 28 سفينة إيرانية لزرع الألغام.
لكن تخت روانجي نفى هذا الاتهام، موضحاً أن إيران “تتخذ تدابير احترازية في مياهنا الإقليمية لحماية مياهنا ووطننا”. أكد أيضاً أن إيران سمحت لسفن من دول عدة بعبور المضيق، لكن “الدول التي انضمت إلى العدوان لا ينبغي أن تستفيد من المرور الآمن عبر مضيق هرمز”.
إدارة مضيق هرمز الاستراتيجي
يعكس موقف إيران استراتيجية متوازنة بخصوص مضيق هرمز:
السيطرة الفعلية: إيران تسيطر على الممر الذي يمر عبره 20 بالمائة من نفط العالم
الانتقائية: السماح لدول محايدة بالعبور بينما تقيد الدول الداعمة للحرب
عدم الإغلاق الكامل: تجنب الإغلاق الكامل لتجنب انهيار اقتصادي أوروبي قد يضر حلفاء إيران
الضغط السياسي: استخدام السيطرة على الممر كأداة ضغط دبلوماسية
مفاوضات وقف الحرب والشروط الإيرانية
كشف تخت روانجي أن “دولاً صديقة” اتصلت بإيران لإنهاء الحرب، لكنه لم يحدد أي منها. وأوضح موقف إيران بشأن أي تسوية: “نقول لهم الشيء نفسه، وهو أننا نريد أن يكون وقف إطلاق النار جزءاً من صيغة شاملة لإنهاء الحرب بالكامل”.
يشير هذا الموقف إلى أن إيران ترفض وقف إطلاق النار المؤقت وتصر على تسوية سياسية شاملة تحل الأزمة من جذورها.
شروط الحل الإيراني
يتضح من تصريحات القيادة الإيرانية أن شروط الحل تشمل:
وقف العدوان: إنهاء الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية
عدم التكرار: ضمانات دولية بعدم فرض حرب جديدة على إيران
الحل الشامل: تسوية سياسية شاملة وليس مجرد هدنة مؤقتة
الاعتراف بالسيادة: احترام استقلال إيران وسيادتها الإقليمية
تقييم الموقف الإيراني لقوة النظام
ردت إيران على الادعاءات الإسرائيلية بشأن ضعف النظام الجديد. قال تخت روانجي: “شعر الأميركيون والإسرائيليون أنه في غضون 24 أو 48 ساعة، سينهار النظام بأكمله، ولكن ذلك لم يتحقق”.
أضاف: “العدو يدرك أن هذا النظام قوي بما يكفي ليصمد”. يعكس هذا الموقف ثقة القيادة الإيرانية بقدرة النظام على الاستمرار في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.
المرشد الجديد والشرعية
يشير غياب المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي من الظهور العلني إلى عدة احتمالات. قد يكون بسبب إصابته في الهجمات الأمريكية الإسرائيلية الأولى كما أشارت بعض التقارير، أو قد يكون خياراً استراتيجياً لتجنب استهداف مباشر.
لكن صمت الحضور العلني لا يعني ضعفاً في السلطة، حيث يسيطر المرشد على جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية الرئيسية في إيران. كما أن البيان الأول من المرشد بشأن إغلاق مضيق هرمز أثبت قدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى.
Conclusion:
تظهر التصريحات الإيرانية الخميس صورة لقيادة حازمة لا تنوي التراجع أو الانصياع للضغوط الأمريكية الإسرائيلية. بينما يحاول نتانياهو تقديم صورة نصر عسكري حاسم، الواقع يشير إلى حرب معقدة لا تزال في مراحلها الأولى مع استعداد إيران للاستمرار في المواجهة طويلة الأمد. الفارق بين ادعاءات القوة الإسرائيلية والرسائل الإيرانية الحقيقية يشير إلى أن الحرب قد تستمر لفترة أطول مما تتوقعه إدارة ترامب. موقف إيران من عدم التراجع وضمان عدم فرض حروب مستقبلية يعكس استراتيجية طويلة الأمد بدلاً من البحث عن حل فوري.






