أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الإثنين استعداد روسيا لتزويد الدول الأوروبية بالنفط والغاز إذا طلبت ذلك، على أساس “تعاون دائم ومنتظم” مع موسكو. جاء العرض الروسي في سياق ارتفاع حاد في أسعار مصادر الطاقة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 شباط/فبراير.
في الوقت ذاته، دعا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الاتحاد الأوروبي صراحة إلى تعليق العقوبات على النفط والغاز الروسيين، مستغلاً الأزمة الطاقية الحالية. وأعلنت مجموعة السبع استعدادها لاستخدام احتياطيات نفطية استراتيجية لتثبيت الأسعار، لكن بدون التزام نهائي.
عرض بوتين وشروط الطاقة الروسية
الاستعداد الروسي المشروط
قال بوتين خلال اجتماع حكومي خصص لمناقشة الأسواق إن موسكو مستعدة لإمداد شركاء آسيويين “موثوق بهم” بالنفط، وكذلك المجر وسلوفاكيا العضوين في الاتحاد الأوروبي.
تابع بوتين “إذا قرّرت شركات أوروبية ومشترون أوروبيون فجأة الانفتاح علينا مجدداً وعرض تعاون طويل الأمد ومستدام، من دون ضغوط سياسية، فليتفضلوا. نحن لم نرفض ذلك إطلاقاً”.
يعكس هذا العرض محاولة روسية لاستغلال الأزمة الطاقية الناجمة عن الحرب لتحسين مركزها الاقتصادي والسياسي.
شروط الموافقة الأوروبية
أضاف بوتين “نحن مستعدون للعمل مع الأوروبيين، لكننا نحتاج إلى أن يعطونا إشارات مفادها أنهم مستعدون ويرغبون” في التعاون مع روسيا.
يشير هذا الموقف إلى أن روسيا تطلب من الاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات الاقتصادية.
السياق التاريخي للحظر الأوروبي
حظر الاتحاد الأوروبي استيراد النفط الخام الروسي بحراً في العام 2022 ردّاً على الغزو الروسي لأوكرانيا. كما توقفت فعلياً صادرات روسيا عبر خطوط الأنابيب إلى المجر وسلوفاكيا اعتباراً من كانون الثاني/يناير بسبب أضرار لحقت بخط أنابيب “دروجبا” العابر لأوكرانيا.
موقف أوربان والضغط على الاتحاد الأوروبي
دعوة صريحة لتعليق العقوبات
دعا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الاتحاد الأوروبي صراحة إلى تعليق العقوبات على النفط والغاز الروسيين في ظل ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط.
قال أوربان في تسجيل مصور على فيسبوك “لا بدّ من إعادة النظر في العقوبات المفروضة على مصادر الطاقة الروسية في أوروبا برمتها وتعليقها. وقد بادرت اليوم في رسالة موجهة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين”.
يعكس هذا الموقف محاولة أوربان الاستفادة من الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب لتحقيق أهدافه السياسية.
سجل أوربان بمعارضة العقوبات
انتقد أوربان المقترب من الرئيس الروسي بوتين مراراً العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، مستخدماً تكراراً حق النقض للحصول على إعفاءات خاصة.
يعكس هذا السلوك المتكرر محاولة مجر أوربان المنتظمة للابتعاد عن موقف الاتحاد الأوروبي الموحد ضد روسيا.
النزاع مع أوكرانيا والنفط الروسي
أشار أوربان إلى أن تصاعد التوترات بين المجر وأوكرانيا بشأن إمدادات النفط الروسي عبر خط أنابيب “دروجبا” بات بدوره “تهديداً خطيراً” بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
تتهم المجر وسلوفاكيا أوكرانيا بتعمد تأخير إعادة فتح خط الأنابيب الذي تقول كييف إنه تضرر إثر ضربات روسية في أواخر كانون الثاني/يناير.
استراتيجية أوربان والضغط على الاتحاد
حجب الدعم عن أوكرانيا
تعترض بودابست على قرض بقيمة 90 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا واعتماد حزمة عقوبات جديدة ضد موسكو، طالما لم تستأنف كييف إمدادات النفط الروسي.
يعكس هذا الموقف استخدام أوربان لسلطته المتعلقة بالقرارات الأوروبية الموحدة كوسيلة ضغط لتحقيق أهدافه الخاصة.
النزاع الأخير مع أوكرانيا
تصاعدت التوترات بين المجر وأوكرانيا الأسبوع الماضي إثر توقيف بودابست سبعة موظفين في مصرف أوكراني عام كانوا يراقبون نقل 40 مليون دولار و35 مليون يورو و9 كيلوغرامات من الذهب من النمسا.
أطلقت المجر الموظفين يوم الجمعة، لكن الحادثة تعكس مستويات التوتر العالية بين الدول المجاورة.
عدم الاستعداد للقطع عن روسيا
لا تعتزم المجر وسلوفاكيا، كلاهما بقيادة حكومة قومية، قطع العلاقات التجارية مع روسيا في مجال الطاقة.
يعكس هذا الموقف الحقيقي الفارق بين السياسات الوطنية للدول الأوروبية وموقف الاتحاد الأوروبي الموحد.
أسعار النفط والأزمة الطاقية
ارتفاع الأسعار التاريخي
تجاوزت أسعار النفط مئة دولار للبرميل للمرة الأولى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2022. جاء هذا الارتفاع بعد بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير.
ارتفعت أسعار النفط بنسبة 30 في المائة الاثنين وحدها في ظل المخاوف من تواصل الحرب بدون أفق واضح للتهدئة.
دور إيران في الأزمة
تواصل إيران الضربات على منشآت نفطية في دول الخليج، بينما يعرقل حرسها الثوري حركة العبور في مضيق هرمز ردّاً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية.
يعكس هذا الانقطاع المتوقع عن خُمس إمدادات العالم من النفط الخام السبب الرئيسي للأزمة الطاقية الحالية.
موقف مجموعة السبع والاحتياطات الاستراتيجية
الاستعداد بدون التزام نهائي
أعلنت فرنسا الاثنين أن وزراء مالية دول مجموعة السبع “مستعدون” لاستخدام الاحتياطات النفطية الاستراتيجية إذا لزم الأمر لكبح الارتفاع الحاد في أسعار النفط. غير أنهم لم يتخذوا قراراً نهائياً بتطبيق هذا الخيار.
قال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور “سنتابع الأمور من كثب، ونحن مستعدون لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة، ومنها استخدام الاحتياطات النفطية الاستراتيجية من أجل تحقيق استقرار السوق. لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد”.
ضرورة التنسيق الدولي
أوضح ليسكور من بروكسل حيث شارك في اجتماع مع نظرائه من دول منطقة اليورو أن أي إجراء من هذا النوع، إذا تبين أنه ضروري، لا يمكن أن يكون فاعلاً إلا إذا نُفذ بطريقة “منسقة” بين دول المجموعة.
يعكس هذا الشرط الأساسي الحقيقة بأن إجراءات منفردة من دول فردية قد تكون غير كافية.
اجتماع وزراء الطاقة
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقد اجتماع لوزراء الطاقة الثلاثاء على هامش قمة نووية تستضيفها باريس بمشاركة حوالي ستين دولة.
قال ماكرون “أبديت رغبتي في أن نتمكن من القيام بتنسيق وثيق على مستوى مجموعة السبع لإدارة قضايا الطاقة على النحو الأمثل”.
الاحتياطات الاستراتيجية كخيار
أشارت تقارير إلى أن وزراء مالية دول مجموعة السبع سيبحثون استخدام الاحتياطات النفطية الاستراتيجية بشكل مشترك بتنسيق من الوكالة الدولية للطاقة.
تملك الدول المتقدمة احتياطات ضخمة من النفط مخصصة لحالات الطوارئ، لكن استخدامها يعتبر خطوة استثنائية ذات آثار سياسية واقتصادية كبيرة.
السياق الجيوسياسي الأوسع
روسيا تستغل الأزمة
يعكس عرض بوتين محاولة روسية لاستغلال الأزمة الطاقية الناجمة عن الحرب لتحسين موقفها الجيوسياسي والاقتصادي. تسعى موسكو لإعادة التواصل مع أوروبا بعد سنوات من العقوبات.
انقسام أوروبي بشأن روسيا
يعكس موقف أوربان الحقيقة بأن الوحدة الأوروبية بشأن العقوبات على روسيا بدأت تضعف تحت ضغط الأزمة الاقتصادية. قد يشجع هذا الموقف دول أخرى على مراجعة مواقفها.
التأثيرات الاقتصادية للحرب
تظهر الأزمة الطاقية الحالية كيف أن النزاع الإقليمي في الشرق الأوسط يحمل آثاراً اقتصادية عالمية مباشرة. الدول التي تعتمد على واردات الطاقة تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة.
الخيارات الأوروبية المحدودة
محدودية الخيارات قصيرة الأمد
تواجه أوروبا خيارات محدودة في الأجل القصير: استخدام احتياطات استراتيجية، الضغط على حلفاء في الشرق الأوسط لتقليل الحرب، أو إعادة النظر في العقوبات على روسيا.
المخاطر السياسية
أي استجابة أوروبية تحمل مخاطر سياسية: استخدام الاحتياطات قد يظهر ضعفاً، الضغط على الشرق الأوسط قد لا ينجح، وإعادة النظر في العقوبات قد تضعف الوحدة الأوروبية.
Conclusion:
تعكس الأزمة الطاقية الحالية التقاطع المعقد بين الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط والديناميات الأوروبية الداخلية. يستغل بوتين الأزمة لإعادة دمج روسيا في الاقتصاد الأوروبي، بينما يضغط أوربان على الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في سياسته تجاه موسكو. تشير الأزمة إلى أن أوروبا قد تواجه خيارات صعبة بين الضغط الاقتصادي المتزايد والالتزام بالمبادئ السياسية والأمنية. قد تشكل هذه الأزمة نقطة تحول في العلاقات الأوروبية الروسية، تبعاً لخيارات الدول الأوروبية في الأسابيع والأشهر القادمة.






