قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إن “العنف لا يمكن أن يكون حلاً” للأزمة المتواصلة في سبتة، وذلك في أعقاب حوادث متفرقة شهدها الجيب الإسباني الواقع شمالي أفريقيا بعد شهر من التدفق الجماعي للمهاجرين القادمين من المغرب. وجاءت تصريحات الوزير أمام مجلس النواب، في وقت ما تزال فيه المدينة تعيش حالة توتر أمني وإنساني مع استمرار وجود آلاف المهاجرين في ظروف صعبة، وتصاعد احتجاجات السكان المحليين المطالبين بإنهاء الأزمة.
وشهدت سبتة خلال الأيام الماضية مواجهات متفرقة بين متظاهرين وقوات الأمن، إضافة إلى اشتباكات على الشاطئ الذي يبيت فيه بعض المهاجرين، في ظل تنامي الغضب الشعبي من الأوضاع الأمنية وتدهور الخدمات داخل المدينة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 18.5 كيلومتراً مربعاً.
تدفق هائل للمهاجرين يفاقم الأزمة
الآلاف ما زالوا في المدينة
لا تزال الأجواء مشحونة منذ دخول أكثر من 70 ألف مهاجر إلى سبتة في يومي 30 و31 يوليو/تموز. ورغم أن معظمهم عادوا بعد ساعات من وصولهم إلى الجيب الإسباني، فإن الآلاف ما زالوا موجودين في المدينة. وتقدّر الحكومة العدد بنحو 5 آلاف، فيما تشير تقديرات السلطات المحلية إلى 10 آلاف على الأقل، في مدينة يقطنها نحو 80 ألف نسمة.
ويواجه هؤلاء المهاجرون صعوبات كبيرة في الحصول على الطعام والماء والمأوى والوصول إلى المرافق الصحية. كما يبيتون في مراكز أُنشئت على عجل أو على الشاطئ، بينما يتنقل بعضهم في الشوارع وسط ظروف إنسانية صعبة.
ضغط على البنية المحلية
تسببت الأزمة في ضغط كبير على الخدمات العامة والبنية المحلية في سبتة، خصوصًا أن المدينة محدودة المساحة والإمكانات. ومع استمرار بقاء أعداد كبيرة من المهاجرين فيها، تتزايد المخاوف من تفاقم الوضع الإنساني إذا لم تُعتمد حلول عاجلة ومنسقة بين السلطات الإسبانية والمغربية.
احتجاجات عنيفة واشتباكات مع الشرطة
مواجهات على الشاطئ وفي الشوارع
شهدت المدينة احتجاجات متصاعدة نظمها سكان محليون يشتكون من تدهور الأوضاع الأمنية، ويطالبون برحيل المهاجرين. وفي الأيام الأخيرة، تخللت هذه التظاهرات أعمال عنف. كما فرّقت الشرطة متظاهرين كانوا يتجهون إلى الشاطئ حيث ينام مهاجرون، وأضرم بعضهم النار في ممتلكات شخصية تعود للمهاجرين.
وفي الوقت نفسه، احتج عشرات المتظاهرين على قيام سيارات الصليب الأحمر بتوزيع الطعام على المهاجرين، مرددين شعارات معادية قبل تدخل السلطات لتفريقهم. وتؤكد هذه المشاهد أن التوتر في سبتة لم يعد مقتصرًا على الجوانب الإنسانية، بل تحوّل أيضًا إلى ملف أمني وسياسي داخلي في إسبانيا.
إصابة جندي وتوقيفات
وقعت الخميس اشتباكات على الشاطئ، حيث يخيم عدد من المهاجرين الذين أُحرقت ممتلكاتهم الشخصية. وفي اليوم نفسه، أصيب جندي بجروح بعدما تعرضت آلية عسكرية كان على متنها أربعة جنود لـ”كمين” نصبه نحو 70 مهاجراً رشقوهم بالحجارة. وعلى إثر الحادث، أوقفت السلطات 12 مغربياً، كما أوقفت مهاجران مغربيان آخران بعد اعتدائهما على عنصر من الحرس المدني، بحسب مصدر مقرب من التحقيق نقلت عنه وكالة فرانس برس.
ومرت ليلة الخميس إلى الجمعة من دون تسجيل حوادث إضافية، في إشارة إلى هدوء نسبي بعد أيام من التوتر.
خلاف سياسي حول طريقة التعامل مع المهاجرين
مارلاسكا يهاجم اليمين واليمين المتطرف
اتهم وزير الداخلية الإسباني أحزاب اليمين واليمين المتطرف بنشر معلومات زائفة ومحاولة استثمار الأزمة سياسياً، أو الأسوأ من ذلك، التحريض على الكراهية وإشعال مواجهات بين المواطنين في شوارع سبتة. ودعا إلى الهدوء ووقف جميع أعمال العنف، مشددًا على أن “العنف لا يمكن أن يحل مشكلة بهذه الدرجة من التعقيد”.
مطالب بإعادة جميع المهاجرين
في المقابل، دعا خافيير سيلايا، النائب عن سبتة من الحزب الشعبي اليميني، إلى التهدئة، لكنه قال إنه يتفهم “غضب” و”استياء” سكان سبتة، معتبراً أنه مبرر في ظل ما وصفه بتقاعس الحكومة عن التعامل مع الأزمة. وتطالب أحزاب اليمين واليمين المتطرف بإعادة جميع المهاجرين الموجودين في سبتة، بينما تتمسك الحكومة الإسبانية بضرورة إجراء تقييم فردي لكل شخص لتحديد ما إذا كان يحق له التقدم بطلب لجوء أو يمكن ترحيله، وهي عملية تقول إنها تحتاج إلى وقت.
أزمة إنسانية لا تزال مفتوحة
آلاف القاصرين بحاجة إلى رعاية
تتركز المخاوف أيضًا على القاصرين غير المصحوبين بذويهم، والذين يُقدّر عددهم بالآلاف، إذ يحتاجون إلى حماية خاصة. وكانت الحكومة الإسبانية قد خصصت 25 مليون يورو إضافية لإيوائهم، في إطار جهودها لمعالجة الجانب الإنساني من الأزمة.
كما أعلنت الحكومة أن إعادة القاصرين ستتم مع احترام حقوق الإنسان، مع تشكيل قيادة خاصة لتسريع البت في أوضاع المهاجرين، في وقت ما تزال فيه المدينة تعيش تحت ضغط أمني وإنساني كبير.
حالة طوارئ مستمرة
أقر وزير الداخلية الإسباني بأن التدفق الجماعي الأخير للمهاجرين شكّل أحد أكبر التحديات التي واجهتها إسبانيا مؤخرًا في ملف الهجرة، مؤكدًا أن الوضع لا يزال يُصنف كـ”حالة طوارئ”. ويعكس ذلك حجم التعقيد الذي تواجهه مدريد في التعامل مع ملف سبتة، وسط ضغوط سياسية داخلية، وتوترات على الأرض، وأزمة إنسانية لم تُغلق بعد.
الخاتمة:
تبقى أزمة سبتة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين احتجاجات السكان، ومعاناة المهاجرين، وضغوط الحكومة الإسبانية لإيجاد مخرج يوازن بين الأمن وحقوق الإنسان. وبينما يدعو وزير الداخلية إلى رفض العنف واللجوء إلى المعالجة الهادئة، لا تزال المدينة تعيش تحت وطأة أزمة إنسانية وسياسية معقدة بعد تدفق آلاف المهاجرين من المغرب.






