أسفرت غاراتٌ جوية الخميس عن مقتل 11 عنصراً على الأقل من الفصائل الموالية لإيران في العراق، حيث استُهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي وكتائب حزب الله في محافظة الأنبار والعاصمة بغداد.
أعلنت هيئة الحشد الشعبي أن تسعة عناصرها قُتلوا وعشرة آخرين أُصيبوا بجروح في قصفٍ استهدف فجراً مقراً لحركة أنصار الله الأوفياء في قاعدة تابعة للحشد بمدينة القائم قرب الحدود العراقية السورية. وقالت الهيئة إن “المقر دُمّر وفرق الإنقاذ استُهدفت هي أيضاً لدى وصولها لإنقاذ الجرحى”.
في وقت لاحق من مساء الخميس، قُتل عنصران آخران من كتائب حزب الله في قصفٍ استهدف قاعدة عسكرية تضم مقارّ للحشد الشعبي في ضواحي بغداد، وفقاً لمسؤولين في الفصيل الموالي لإيران.
تفاصيل الغارات على الأنبار وبغداد
الضربة على القائم بالأنبار
استهدفت الغارات الجوية الأولى مقراً تابعاً لحركة أنصار الله الأوفياء في قاعدة للحشد الشعبي بمدينة القائم في محافظة الأنبار غرب العراق. وصرّح مسؤولان أمنيان لوكالة فرانس برس أن الضربة استهدفت موقعاً استراتيجياً للحركة.
أسفرت الضربة عن دمار كامل للمقر المستهدف، مما أجبر فرق الإنقاذ على التدخل فوراً. إلا أن فرق الإنقاذ نفسها استُهدفت بضربات إضافية لدى وصولها للموقع، وهو ما أسفر عن إصابات إضافية بين المنقذين.
قالت حركة أنصار الله الأوفياء في بيان نعت فيه “كوكبة من فرسانها الأبطال في اللواء 19 بالحشد الشعبي” أنهم استُشهدوا “في منطقة عكاشات الصامدة على الحدود العراقية السورية، وهم يؤدون واجبهم المقدس في حماية ثغور الوطن”.
الهجوم على معسكر الصقر بالعاصمة
في العاصمة بغداد، استهدفت ضربات جوية مساء الخميس قاعدة عسكرية تضم قوات من الشرطة الاتحادية وفصائل من الحشد الشعبي. أعلن مسؤولان في كتائب حزب الله عن “استشهاد مقاتلين من كتائب حزب الله في قصف صهيو-أميركي على معسكر الصقر” في جنوب غرب بغداد.
وشكّلت هذه الضربة على قاعدة بالقرب من العاصمة أول هجوم من نوعه على معسكر قريب من بغداد منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في نهاية فبراير الماضي.
السياق الأوسع: العراق ساحة الصراع
الحشد الشعبي والفصائل الموالية لإيران
تأسس الحشد الشعبي عام 2014 كتحالف فصائل للقتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وانضوى لاحقاً رسمياً ضمن المؤسسة العسكرية العراقية ليصبح تابعاً للقوات المسلحة. غير أن الحشد يضم في صفوفه ألوية وفصائل مسلحة موالية لإيران، تتحرك بشكل مستقل وتنضوي تحت مظلة ما يُعرّف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”.
منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير الماضي، استهدفت عدة ضربات مقارّ تابعة لفصائل موالية لإيران داخل قواعس الحشد الشعبي. غير أن الضربة على معسكر الصقر بالقرب من العاصمة الخميس تشكل الأولى من نوعها في محيط بغداد منذ اندلاع النزاع.
رفع عراقي للاحتجاجات
أعربت هيئة الحشد الشعبي في بيان رسمي عن “رفضها القاطع واستنكارها الشديد للاعتداءات الجوية الآثمة التي استهدفت مقراتها الرسمية” منذ بدء الحرب، مؤكدة أن “هذه المقرات لم يكن لها أي دور في استهداف القواعد داخل العراق أو خارجه”.
أكدت الهيئة أن “الذين ارتقوا شهداء هم مجاهدون أبرياء كانوا يمارسون واجباتهم الرسمية، وكان بعضهم مرابطاً على الحدود لحماية سيادة العراق وأمنه”.
قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان إن “هذا العدوان الممنهج والمتكرر واستهداف المواقع والمقرات دون تمييز، ليس مجرد خرق عسكري، بل محاولة بائسة لخلط الأوراق وضرب السِلم المجتمعي”.
هجوم على ناقلات النفط العراقية
مقتل بحار وإنقاذ 51 آخرين
في عملية منفصلة لكن متزامنة مع الأحداث على الأرض، استُهدفت ناقلتا نفط في المياه الإقليمية العراقية الخميس صباحاً، مما أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم وإصابة عدد آخرين، قبل إنقاذ 51 شخصاً من الطاقم.
أكدت السلطات العراقية أن القتيل يحمل الجنسية الهندية، وتم إجلاء باقي أفراد الطاقم الهنود، البالغ عددهم 15، إلى مكان آمن. قال مدير عام شركة الموانئ العراقية فرحان الفرطوسي إن “جميع أفراد الطاقم للناقلتين تم انتشالهم”، موضحاً أن 51 فرداً كانوا بحالة جيدة، فيما توفّى شخص واحد فقط.
الناقلات المستهدفة والأضرار
حددت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) الناقلتين المستهدفتين بـ”SAFESEA VISHNU” التي ترفع علم جزر مارشال، و”ZEFYROS” التي ترفع علم مالطا. كانت الناقلة الأولى مؤجرة لشركة عراقية متعاقدة، بينما كانت الثانية محملة بمنتجات غازية من شركة غاز البصرة.
تعرضت الناقلتان للهجوم أثناء تواجدهما في منطقة التحميل الجانبي داخل المياه الإقليمية العراقية. كانت ناقلة ZEFYROS في طريقها إلى ميناء خور الزبير لتحميل 30 ألف طن من النفثا إضافية.
الحرس الثوري الإيراني يعلن المسؤولية
أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف ناقلة “سيف سي” SAFESEA في شمال الخليج “بعد تجاهلها للتحذيرات والإنذارات”، مشيراً إلى أن الناقلة مملوكة من الولايات المتحدة. لم يحدد الحرس طبيعة السلاح المستخدم أو تفاصيل الهجوم.
التداعيات على النقل البحري والطاقة
توقفت الموانئ النفطية العراقية تماماً بعد الهجوم، بينما استمرت الموانئ التجارية عملياتها بشكل جزئي. قال مدير الموانئ إن سفناً تنتظر في منطقة الانتظار فيما تستمر عمليات الشحن والتفريغ في الميناءين الشمالي والجنوبي لأم قصر.
وصف سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني التابعة للحكومة العراقية، الهجوم بـ”عمل تخريبي وجبان”، مؤكداً أن “الحكومة تبذل جهداً كي لا تكون طرفاً في الحرب” وأن “هذا الاستهداف يُعد تجاوزاً على السيادة العراقية”.
دعت وزارة النفط العراقية الخميس “جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعمل على تحييد الممرات البحرية والبنى التحتية للطاقة عن دائرة الصراع، بما يؤمن سوق الطاقة ويحفظ استقرار الاقتصاد الإقليمي والعالمي”.
العراق بين المطرقة والسندان
موازنة حساسة بين القوى
شكّل العراق على مدى سنوات ساحة رئيسية للصراع على النفوذ بين واشنطن وطهران. جاهدت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الغزو الأمريكي الذي أطاح بنظام صدام حسين عام 2003 لتحقيق توازن دقيق في العلاقات مع القوتين العظميين المتنافستين.
منذ اندلاع الحرب الحالية، وجدت السلطات العراقية نفسها في وسط نزاع لا دور حقيقي لها فيه، مما عرّض استقرارها وسيادتها للخطر.
موقف أمريكي إسرائيلي غير معلن
لم تؤكد الولايات المتحدة أو إسرائيل رسمياً شن ضربات على أراضٍ عراقية منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في نهاية فبراير، رغم الاتهامات الموجهة إليهما من السلطات والفصائل العراقية.
تأثر النقل والتجارة: معابر محدودة وطرق أطول
تعطيل الممرات الحدودية
منذ بدء الحرب، أُجبر سائقو الشاحنات على سلك طرق أطول وأكثر صعوبة للوصول إلى العراق من إيران. أُغلق معبر حاج عمران الرئيسي الذي كان يربط إيران بكردستان العراق بسرعة بعد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية.
يقول سائق شاحنة إيراني يُدعى رضا (اسم مستعار لأسباب أمنية) من مدينة بيرانشهر بشمال غرب إيران: “انتظرت خمس ليالٍ ولم يفتح معبر حاج عمران”. اضطر إلى سلوك طريق أطول بأكثر من 300 كيلومتر عبر معبر باشماخ الأبعد من منزله.
تنتظر حالياً حوالي عشرين شاحنة محملة بمواد غذائية في مواقف الحدود، وهو انخفاض حاد عن المئات من الشاحنات التي كانت تعبر قبل الحرب.
التأثيرات الاقتصادية على الجانب الإيراني
أدت الحرب إلى توقف الصادرات الإيرانية وتعطيل حركة النقل الداخلي. يشرح سائق آخر يُدعى أكبر جعفري (37 سنة) أن الشاحنات لم تعد تتوجه من شمال البلاد إلى طهران أو إلى ميناء بندر عباس الرئيسي في الجنوب.
لاحظ جعفري انخفاض أسعار بعض المواد الغذائية في منطقته، باستثناء الدجاج. وأرسل زوجته وابنه البالغ سبعة أعوام إلى الريف بعد الهجمات الأولى، قائلاً: “المشاكل تكمن في مراكز المدن”.
الحياة اليومية تحت الضغط
تباطأت الحياة تدريجياً مع إغلاق المدارس أبوابها منذ بدء الحرب، ولن تعيد فتحها إلا بعد عطلة رأس السنة الفارسية (عيد النوروز) في 21 مارس. وقد أعلنت الحكومة الحداد لمدة 40 يوماً على المرشد الأعلى علي خامنئي الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب.
يقول سائقا الشاحنات إنهما لن يحتفلا هذا العام بعيد النوروز، خصوصاً بعد إعلان الحكومة الحداد. يضيف رضا: “من سيحيي العيد في هذه الظروف سيواجه مشاكل خطيرة”.
عندما سُأل عمن يجب أن يقود إيران، قال: “ما نريده هو شخص يخدم الناس فعلاً”، معترفاً بأنه “يريد أن تنتهي الحرب”، لكنه يرى أن “الأمريكيين وحدهم يمكنهم تغيير النظام”.
التأقلم مع الواقع الجديد
أفاد شاهد يُدعى زهيد (37 سنة) أن الناس في البداية “كانوا خائفين جداً من القصف”، لكنهم “اعتادوا عليها”. قال: “المقاتلات تمرّ دائماً في الأجواء، ليلاً ونهاراً، لكن أصبح الأمر أشبه برؤية طائر يحلّق في السماء”.
جاء هذا التعليق رغم أن مدينة ماريوان، التي يبعد موقعها 30 كيلومتراً عن معبر باشماخ، تعرضت لقصفٍ متكرر أسفر عن مقتل أربعة مدنيين. قال زهيد: “الكثير من الناس غادروا، لكنهم سرعان ما عادوا”.
لكن زوجته التي تخشى على طفليهما البالغين خمسة وعشرين عاماً ذهبت معهما إلى منزل أهلها في الريف. يتابع: “كانت حياتنا جيدة، في السابق”.
Conclusion
تعكس الأحداث التي شهدتها العراق خلال الأيام الأخيرة تعقيدات النزاع الإسرائيلي الإيراني على الأراضي العراقية، حيث تدفع البلاد ثمناً عالياً من حيث الأرواح والاقتصاد والاستقرار. مع استمرار الحرب، يبقى العراق رهيناً في صراعٍ أوسع يتجاوز حدوده الجغرافية والسياسية.






