افتتح لبنان وإسرائيل مفاوضاتهما المباشرة الأولى منذ أكثر من عقد مساء يوم الثلاثاء في واشنطن، مما يمثل تطوراً دبلوماسياً كبيراً وسط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في الأراضي اللبنانية. تمثل المحادثات، التي سهلتها وزارة الخارجية الأمريكية ووساطة السفير الأمريكي ميشال عيسى، الانخراط المباشر الأكثر كثافة بين البلدين منذ بدء النزاع الحالي في أوائل مارس.
أكد رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة لوكالة الأنباء العراقية أن الحكومة اللبنانية تعمل بجدية للسيطرة على الحرب وإنهاء العمليات العسكرية في أسرع وقت ممكن. أكد السنيورة على أن لبنان يسعى لمنع امتداد النزاع إلى إيران أو المنطقة الأوسع مع استعادة السيطرة الحكومية على قرارات الحرب والسلام.
محادثات دبلوماسية تاريخية بين أعداء تاريخيين
جمعت المحادثات ممثلين رسميين من البلدين في وزارة الخارجية الأمريكية، مثلت لبنان سفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض ومثلت إسرائيل السفير يحيئيل لايتر. قام السفير الأمريكي بدور الوسيط الميسر، مع مشاركة رمزية من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لإبراز استثمار واشنطن في تحقيق تقدم دبلوماسي.
استمرت الجلسة حوالي ساعة واحدة وتم تنظيمها مع جلوس الوفدين متقابلين على طاولة على شكل حرف U، مع موضع الوسيط الأمريكي بينهما. في حين طلبت إسرائيل بياناً مشتركاً، اعترضت لبنان، مما أدى إلى بيانات منفصلة من الرئاسة اللبنانية والسلطات الإسرائيلية.
أول اتصال مباشر منذ أكثر من عقد
تمثل هذه المفاوضات الاتصال المباشر الأكثر بين المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين منذ عام 2012، عندما جرت جولات من محادثات السلام السابقة. يشير استئناف الحوار المباشر إلى انحراف عن عقود من المفاوضات غير المباشرة، مما يشير إلى الاعتراف بخطورة النزاع والاستعداد المتبادل لاستكشاف حلول دبلوماسية للمواجهة العسكرية.
تتبع المحادثات الانهيار في محادثات الهدنة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان الأسبوع الماضي، حيث فشلت الوفود الأمريكية بقيادة المبعوث جي دي فانس والإيرانية في الوصول إلى اتفاق حول قيود نووية وتعويضات الحرب بعد 21 ساعة من المحادثات.
استراتيجية الحكومة اللبنانية للسيطرة على النزاع
ذكر السنيورة أن الحكومة اللبنانية تتابع أهدافاً متعددة من خلال عملية التفاوض: احتواء العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية، وإنهاء النزاع بأسرع وقت ممكن، ومنع التصعيد إلى إيران أو الشرق الأوسط الأوسع، واستعادة السيطرة الحكومية على قرارات الحرب والسلام.
أكد الرئيس السابق أن لبنان يمر بأزمة إنسانية وأمنية حادة تتطلب حلاً عاجلاً. أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى خسائر مدنية كبيرة والنزوح الجماعي والتدمير في القرى والحديث الإسرائيلي عن إنشاء “منطقة عازلة” دائمة في الأراضي اللبنانية.
جهود الحكومة لاحتواء التصعيد
أكد السنيورة أن الحكومة اللبنانية الحالية تضطلع بمبادرات منسقة تهدف إلى احتواء التصعيد وفتح قنوات سياسية ودبلوماسية مع مشاركة من جميع مؤسسات الدولة. الهدف هو الوصول إلى تسويات توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية واستعادة الاستقرار للبلاد.
تسعى الحكومة أيضاً إلى إنشاء فرق تفاوضية من خلال تعيينات مشتركة من قبل الحكومة اللبنانية والرئاسة، مما يضع هذه الوفود في موضع تمثيل لبنان في مناقشات ترتيبات أمنية أوسع متوقعة بعد تحقيق تقدم دبلوماسي أولي.
القضية المركزية للسلطة الحكومية والأسلحة
يتضمن بعد أساسي من استراتيجية لبنان استعادة السيطرة الحكومية على قرارات الحرب والسلام، المعقدة تاريخياً بسبب القدرة العسكرية المستقلة لحزب الله. اعترف السنيورة بدور حزب الله في فرض الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 لكن أكد على أن الأسلحة والقرارات بشأن الانخراط العسكري يجب أن تكون متركزة بشكل حصري في أيدي الدولة.
قال السنيورة: “يجب أن تمتلك الدولة اللبنانية السلطة الحصرية على قرارات الحرب والسلام، ويجب تسليم الأسلحة إلى الدولة”، مما يشير إلى طلب رئيسي تعتزم الحكومة اللبنانية متابعته من خلال المفاوضات الدبلوماسية.
يعكس هذا الطلب هدفاً لبنانياً تاريخياً لإخضاع جميع المجموعات المسلحة، بما في ذلك حزب الله المدعوم من إيران، للسيطرة الحكومية والسلطة القيادية الموحدة.
الوساطة الدولية والنهج المرحلي
توقع السنيورة أن تتقدم عملية التفاوض عبر خطوات أولية برعاية دولية، تشمل وفود لبنانية وإسرائيلية في تنسيق غير مباشر في البداية. سيتبع ذلك مناقشات حول ترتيبات أمنية أوسع، مع تكليف أفراد دبلوماسيين متمرسين بقيادة المفاوضات الفعلية.
يعكس النهج المرحلي الصعوبة في الانتقال المباشر من المواجهة العسكرية إلى ترتيبات سلام شاملة بدون خطوات وسيطة لبناء الثقة واتفاقيات الإطار التفصيلية.
دور الشركاء الدوليين
تلعب الولايات المتحدة دوراً وسيطاً مركزياً كوسيط أساسي، مع سعي واشنطن لتحقيق نجاح دبلوماسي بعد انهيار المفاوضات مع إيران في باكستان. أشارت مشاركة وزير الخارجية روبيو إلى الالتزام الأمريكي بالعملية، على الرغم من أن العمل الفعلي للوساطة يقع على عاتق السفير عيسى.
من المتوقع أن يشارك الفاعلون الدوليون الآخرون، بما في ذلك المسؤولون الأمميون والقوى الإقليمية، في دعم جولات التفاوض اللاحقة، مما يساهم في الخبرة التقنية بشأن الترتيبات الأمنية وآليات التحقق.
الأزمة الإنسانية والنزوح
تتشكل الموقف التفاوضي اللبناني بكارثة إنسانية جارية. أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى خسائر مدنية واسعة النطاق والنزوح الجماعي للسكان والتدمير في عدد كبير من القرى والبنى التحتية وخلقت نقصاً حاداً في الغذاء والدواء والوقود في المناطق المتضررة.
أكد السنيورة على أن لبنان يتطلب وقفاً عاجلاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية لمعالجة هذه الأبعاد الإنسانية، مع إعادة البناء الحكومي وعودة السكان النازحين كمكونات أساسية لأي تسوية مفاوضة.
تهديد المنطقة العازلة
ناقشت إسرائيل إنشاء “منطقة عازلة” دائمة في الأراضي اللبنانية الجنوبية، وهو ترتيب من شأنه أن يشكل فعلياً احتلالاً عسكرياً مستمراً وينتقص من السيادة اللبنانية. تعتبر الحكومة اللبنانية منع مثل هذه الترتيبات هدفاً تفاوضياً حرجاً، يتطلب ضمانات الانسحاب الإسرائيلي إلى مواقع ما قبل النزاع.
السياق الإقليمي الأوسع
تحدث محادثات لبنان وإسرائيل ضمن صراع أوسع في الشرق الأوسط يتضمن الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مع هدنة هشة بين واشنطن وطهران أُعلنت يوم الثلاثاء. سيؤثر نجاح أو فشل مفاوضات لبنان وإسرائيل على الأرجح على المفاوضات الأوسع مع إيران، حيث يقيم كل جانب الالتزام من قوات معارضة بالحل الدبلوماسي.
أشار المسؤولون اللبنانيون إلى أن المحادثات بمثابة عرض لإظهار السامعين الإقليميين والدوليين أن القيادة اللبنانية تبقى منخرطة في السعي إلى حلول سلمية رغم استمرار العمليات العسكرية على الأرض.
الاتصال بهدنة إيران
يشير توقيت محادثات لبنان وإسرائيل مساء يوم الثلاثاء، قبل ساعات قليلة من استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية المقررة في باكستان، إلى التنسيق بين الجهود الدبلوماسية الأمريكية على مسارات متعددة. قد ينجح النجاح في المسار اللبناني عن تعزيز مواقع التفاوض الأمريكية مع إيران، بينما قد يعزز الفشل الشكوك حول القدرة الدبلوماسية الأمريكية.
التحديات أمام الاتفاق
تواجه العديد من العوائق المفاوضين الذين يسعون إلى تسوية لبنان وإسرائيل. وتشمل هذه الطلبات الأمنية الإسرائيلية وقضايا الحقوق الفلسطينية والإصرار الإسرائيلي على منطقة عازلة وطلبات لبنان لاستعادة السيادة والقدرات العسكرية المستقلة لحزب الله والمصالح الاستراتيجية والنفوذ الإيراني على عملية صنع القرار في حزب الله.
سيتطلب جسر هذه المواقف المتضاربة إما تنازلات كبيرة من جانب واحد على الأقل أو ترتيبات مبتكرة تسمح لكل طرف بدعوى النجاح مع تعديل متطلباته القصوى.
المفاوضات السابقة الفاشلة
يقدم السابق التاريخي تفاؤلاً محدوداً. فشلت جولات سابقة من مفاوضات لبنان وإسرائيل عام 2012 والسنوات السابقة في إنتاج اتفاقيات، وترك الصراعات عام 2006 و1982 تراثاً من عدم الثقة والشكاوى غير المحل. تبدأ الجولة الحالية من المحادثات من هذا الخط الأساسي التاريخي الصعب.
الخلاصة:
افتتح لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة في واشنطن مساء يوم الثلاثاء، مما يمثل مبادرة دبلوماسية كبيرة وسط استمرار الصراع العسكري. أشار رئيس الوزراء السابق السنيورة إلى أن الحكومة اللبنانية تعمل بجدية للسيطرة على الحرب واستعادة السيطرة الحكومية على الأسلحة والقرارات العسكرية. تمثل المحادثات أول اتصال مباشر بين البلدين منذ أكثر من عقد وتحدث ضمن مبادرة دبلوماسية أمريكية أوسع تمتد إلى المفاوضات مع إيران وأوكرانيا والنزاعات الإقليمية الأخرى. يبقى النجاح غير مؤكد نظراً للسوابق التاريخية والخلافات الأساسية بين الأطراف بشأن القضايا الأساسية بما في ذلك الطلبات الأمنية الإسرائيلية والسيادة اللبنانية والدور المستقبلي للمجموعات المسلحة مثل حزب الله. ستكشف الأيام والأسابيع القادمة ما إذا كان بإمكان الاتصالات الدبلوماسية الأولية تطورت إلى اتفاقيات محددة قادرة على وقف العمليات العسكرية وإنشاء ترتيبات سلام مستدامة.






