غادر أكثر من 95 ألف لبناني منازلهم هربا من الغارات الإسرائيلية المكثفة التي بدأت الاثنين الماضي. وجدوا أنفسهم نازحين في مراكز إيواء بدائية تفتقد أبسط الخدمات الأساسية، يرقدون على أرضيات باردة ويتقاسمون غرفا ضيقة بدون خصوصية. يعود معظم هؤلاء النازحين لتجربة نزوح سابقة قبل سنوات قليلة، لكنهم اليوم يواجهون واقعا أشد قسوة وغيابا واضحا للدعم الحكومي والمؤسساتي.
تحكي زينب المقداد (50 سنة)، التي اضطرت للفرار من الضاحية الجنوبية لبيروت مع ابنتها المريضة: “هذا الكابوس صعب جدا، أن يكون الإنسان في بيته آمنا ثم يضطر فجأة للهرب… التهجير صعب، أمر لا يشعر به إلا من يعيشه”. تصف المقداد تلك الليلة الأولى من القصف التي قضتها مشردة على الشاطئ بأنها “حرب فرضت علينا، لا نستطيع أن نفعل شيئا”.
معاناة النازحين في مراكز إيواء مكتظة
توفر السلطات اللبنانية مراكز إيواء بدائية وغير كافية في الإطلاق. تجتمع النساء والأطفال في غرف واسعة بدون التجهيزات الأساسية. يفترش البعض منهم بطانيات رقيقة أو قطع قماش بسيطة، بينما اكتفى آخرون بالنوم على الأرض الباردة. تبدو ملامح التعب والقلق واضحة على وجوه اللاجئين، وخاصة الأطفال والنساء الذين يعانون من ظروف صحية حرجة.
حذّر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الجمعة من “كارثة إنسانية وشيكة” جراء موجة النزوح المتزايدة. أشار سلام إلى أن تداعيات هذا النزوح قد تكون “غير مسبوقة على الصعيدين الإنساني والسياسي”، مؤكدا أن “بلدنا جُرّ إلى حرب مدمّرة لم نسعَ إليها ولم نخترها، بل فرضت علينا فرضا”.
غياب الدعم والخدمات والجوع
يعاني النازحون من نقص حاد في الخدمات الأساسية والغذاء والماء والرعاية الصحية. تقول هيام (53 سنة)، التي فرت من الضاحية الجنوبية في الليلة الأولى من القصف: “إلى متى هذا كله وهذا الوجع؟ ما نهايته؟ لا معنى لكل هذا… من الأساس الحرب حتى الآن ما كان المغزى منها؟ ما النتيجة؟”.
تضيف بحنق: “نحن متروكون… تتكرر القصة نفسها… لكن من يسأل عن هذا الشعب؟ من سيهتم بهم؟ من سيطعمهم؟ من سيسقيهم؟ من سيعطيهم المال؟ لم نرَ مسؤولا واحدا، لم يطرق بابنا أحد”.
تختلف هذه الحرب عن سابقاتها بشكل جوهري. كان حزب الله يقدم دعما ماليا ويؤمن إيواء النازحين في الحروب السابقة. لكن الحزب خرج من المواجهة الأخيرة أضعف بكثير، خسر عددا كبيرا من قيادييه وترسانته العسكرية، فقد طريق الإمداد من سوريا بعد سقوط بشار الأسد، وجفت مصادر تمويله الخارجية.
استياء متزايد من تكرار النزوح وانقطاع الأمل
يعبر النازحون عن استياء وحنق متزايد من تكرار تجربة النزوح في فترة زمنية قصيرة جدا. تشعر لبنى سعد (42 سنة)، التي فرت من بنت جبيل الحدودية ليلا، بخيبة أمل عميقة: “لم أكن أعتقد أن هذا الأمر سوف يتكرر. اعتقدت أننا عدنا إلى بيوتنا وانتهى الأمر. كنت دائما أدعو الله ألا يتكرر ما عشيناه، لكن للأسف عاد وتكرر”.
أمضت ليلتها كاملة على الطريق بينما القصف يدك المدينة حولها. يؤكد معظم النازحين توقهم للعيش بسلام، بعيدا عن حروب لا معنى لها من وجهة نظرهم. تقول نهاد أركان (33 سنة)، مدرسة لغة عربية قضت ليلة كاملة على الطريق بعد نزوحها من الجنوب: “شعوري بشع جدا، لا يوصف. أشعر وكأن ما يحدث كابوس، وأتمنى أن أستيقظ منه. المعاناة كبيرة جدا”.
تضيف بملامح صدمة وإرهاق واضحة: “برأيي لم يكن هناك أي داعٍ لعودة هذه الحرب، وقد جاءت في وقت خاطئ جدا”.
أسئلة حادة بلا إجابات: “ماذا استفدنا من الحرب؟”
يسأل النازحون بغضب واستحسار: “ماذا استفدنا من الحرب؟” تعكس هذه الأسئلة غضب شعب لا يرى أي مكسب حقيقي أو فائدة ملموسة من التصعيد العسكري الحالي. يشعر الكثيرون أن الحرب فرضت عليهم دون استشارة وبدون أي فائدة واضحة. يعاني بعض النازحين من فقدان منازلهم والخسائر المادية الكبيرة دون معرفة السبب الحقيقي للقتال.
الغارات تستهدف المواقع الأثرية والمناطق السكنية المكتظة
استهدفت الغارات الإسرائيلية مدينة صور الجمعة، وتحديدا بالقرب من موقع آثار رومانية مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. منحت منظمة اليونسكو الموقع “حماية موقتة معززة” في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بعد هجمات إسرائيلية سابقة ضمن مواجهات مع حزب الله.
شاهد فريق فرانس برس أشلاء بشرية في موقع القصف الذي اشتعلت فيه النيران بالقرب من الآثار الرومانية القديمة. أسفرت الغارة عن مقتل شخص واحد على الأقل. كما استهدفت غارة أخرى في صيدا، أكبر مدن جنوب لبنان، مبنى في شارع رئيسي مكتظ بالناس، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص ودمار جسيم في المباني المحيطة.
شاهد المصورون أضرارا جسيمة في الشقة المستهدفة وزجاجا متناثرا في الشارع التجاري المحاذي، الذي تحيط به مدرستان رسميتان تحولتا إلى مركزين لإيواء النازحين. قام عناصر الإسعاف بانتشال جثة من بين الأنقاض وجمع أشلاء تناثرت في المكان.
الدمار الواسع يطيح بأحياء كاملة من الضاحية الجنوبية
أسفرت الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت عن دمار كبير لم يشهده السكان من قبل. أظهرت لقطات فرانس برس طرقا رئيسية مغطاة بالكامل بالحطام والغبار والركام، ومباني ضخمة متضررة بشكل جسيم. خلت الشوارع تماما من أي حركة باستثناء جرافة تعمل على إزالة الركام. في شارع آخر، يتصاعد الدخان من مبنى سوّي كاملا بالأرض، فيما لحقت أضرار جسيمة بالمباني المحيطة به.
أعلن الجيش الإسرائيلي الجمعة أنه شنّ حوالي 26 دفعة من الغارات “الواسعة النطاق” على الضاحية منذ بدء التصعيد قبل أربعة أيام. شملت ليل الخميس استهداف “مقرات قيادة وعشرة مبانٍ شاهقة تضم بنى تحتية عسكرية” بحسب الادعاء الإسرائيلي.
الحصيلة الدموية والنزوح المتزايد بدون حل
أسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل 217 شخصا منذ بدء التصعيد الاثنين، وفقا لآخر حصيلة رسمية من وزارة الصحة اللبنانية. تجاوز عدد النازحين 95 ألف شخص وفقا للسلطات اللبنانية، معظمهم من الضاحية الجنوبية وجنوب البلاد وشرقها.
شهدت المناطق التي تعتبر معقل حزب الله زحمة خانقة بعد الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء، مع مسارعة السكان للمغادرة بعجلة. قضى العشرات ليلتهم على الشوارع في وسط بيروت وبالقرب من الشاطئ بعد أن تسببت الإنذارات بحالة هلع كبيرة وخوف من القصف الوشيك.
المدارس تتحول لملاجئ مؤقتة والشوارع تشهد ازدحاما شديدا
تحولت المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء مؤقتة للنازحين. تقول فاطمة المصري (45 سنة) من الغبيري في الضاحية، التي لجأت إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت منذ أربعة أيام: “نريد أن نأكل ونشرب… نريد أن نذهب إلى الحمام، جئنا إلى هنا لأن المدارس ممتلئة بالناس”.
شهد شارع الشهداء ازدحاما شديدا بعد الإنذار الإسرائيلي بعد ظهر الخميس. سارع السكان من منطقة تقدّر بين 600 و800 ألف نسمة للمغادرة. كانت الفوضى عارمة والناس يسيرون في الشارع بحثا عن ملاذ آمن، وآخرون جلسوا في سياراتهم التي ركنوها على الرصيف.
السياق الإقليمي: كيف بدأت هذه الحرب والعنف المستمر
امتدت الحرب في الشرق الأوسط إلى لبنان بعد هجوم صاروخي شنه حزب الله على إسرائيل ليل الاثنين، قائلا إنه “ثأرا” لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. كان الهجوم ردا على هجوم أمريكي إسرائيلي على طهران في السبت.
ردت إسرائيل بقصف معاقل حزب الله في جنوب لبنان وشرقه والضاحية الجنوبية، مؤكدة أنها تستهدف مواقع عسكرية للحزب. أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مساء الخميس أن القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان تلقت أوامر بتعميق تقدمها وتوسيع نطاق سيطرتها على طول الحدود.
قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إن هجوم الحزب جاء ردا “على 15 شهرا من الانتهاكات” الإسرائيلية لوقف إطلاق النار الذي بدأ العمل به منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
الحرب لم تنتهِ وتصعيد عسكري مستمر
قال كثر من المراقبين إن الحرب لم تنتهِ أصلا. واصلت إسرائيل قصفها لما تقول إنها منشآت لحزب الله وعناصر في الحزب، وأبقت على جنودها في خمس نقاط في المنطقة الحدودية. أعلن حزب الله فجر الجمعة استهداف مواقع في شمال إسرائيل، قائلا إنه قصف تجمع آليات إسرائيلية متقدمة باتجاه بلدة الخيام وأرغمها “على التراجع”.
تحذيرات دولية وندّ إنساني من الأمم المتحدة
دعت الأمم المتحدة الجمعة إلى إجراء تحقيقات سريعة وشفافة في الغارات الإسرائيلية المميتة على لبنان لتحديد توافقها مع القانون الدولي. قالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رافينا شامدساني: “الأثر المدمر لهذا النزاع المتجدد بات جليا أمام أعيننا، إذ يدفع المدنيون ثمنا باهظا لا يستحقونه”.
أضافت: “نحث جميع الأطراف على التراجع فورا عن شفير تصعيد خطير لهذا النزاع في لبنان قد يؤدي إلى كارثة إقليمية”.
CONCLUSION:
يعيش اللاجئون اللبنانيون واقعا مأساويا يتكرر فيه السيناريو المؤلم للحروب السابقة، لكن بظروف أسوأ وأكثر قسوة وغياب واضح جدا للدعم والحماية. تعكس شهاداتهم المباشرة استياء عميقا من حرب “فرضت عليهم” دون اختيار أو استشارة أو حتى تحضير، وفي وقت عجزت فيه المؤسسات الحكومية والحزبية عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية الضرورية. على الرغم من أن الحكومة اللبنانية أعلنت أن أولويتها هي وقف هذه الحرب، فإن معاناة النازحين اليومية تتزايد تدريجيا وتطرح أسئلة حادة وصعبة حول المسؤولية الحقيقية والاستجابة الإنسانية الفعلية في أوقات الأزمات والكوارث.






