المقدمة: استمرت الغارات الإسرائيلية المكثفة على العاصمة اللبنانية بيروت والمناطق الجنوبية يوم السبت، حيث استهدفت طائرات إسرائيلية مبنى سكنياً في حي برج حمود شمال بيروت للمرة الثانية في يومين، بينما قتل 12 عاملاً صحياً في غارة على مركز صحي بجنوب البلاد.
في اليوم الثالث عشر من الحرب بين إسرائيل وحزب الله، أكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم استعداد التنظيم “لمواجهة طويلة” مع إسرائيل، واصفاً الصراع الحالي بأنه “معركة وجودية” قد تكون “الأخيرة” في سلسلة الصراعات بينهما. وصل إجمالي العاملين الصحيين القتلى منذ بدء الحرب إلى 26 شخصاً بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
استمرار الغارات على العاصمة اللبنانية
استهدفت الطائرات الإسرائيلية حي برج حمود في شمال بيروت يوم السبت، الذي يقطنه بشكل أساسي الأرمن اللبنانيون. جاء القصف في اليوم الثاني للغارات على نفس المبنى، حيث تعرض للقصف يوم الجمعة دون وقوع إصابات حينها.
أفاد مراسل وكالة فرانس برس من الموقع بوجود فرق إنقاذ على مسرح الحادثة، وأشار إلى وجود فجوة كبيرة في المبنى وأضرار واسعة في البنية التحتية المحيطة. يعتبر حي برج حمود أحد المراكز السكانية الرئيسية للطائفة الأرمنية، ويقع بعيداً عن ضاحية بيروت الجنوبية التقليدية، معقل حزب الله الذي شهد قصفاً إسرائيلياً عنيفاً.
الرعب يسيطر على السكان المدنيين
قال ليفون غزاليان، وهو سكان في مبنى مجاور (42 عاماً)، إن هذه “أول مرة” يشهد فيها الحي غارات إسرائيلية، بعدما بقي بمنأى عن الحروب السابقة بين إسرائيل وحزب الله في 2006 و2024. وصرح: “الجيران كلهم خائفون بعد أن سمعوا صوت الضربة قريباً جداً. كان الصوت قوياً جداً وتطايرت الحجارة إلى شرفات المنازل”.
أعربت هنادي هاشم البالغة من العمر 50 عاماً عن الرعب الذي يسيطر على السكان، قائلة: “لم يعد هناك أمان. لا نعرف من أين ستأتي الضربة”. أضافت أنها وعائلتها أصبحوا ينامون في السيارة خوفاً من القصف على المباني السكنية.
مقتل 12 عاملاً صحياً في جنوب لبنان
استهدفت غارة إسرائيلية مركزاً صحياً في بلدة برج قلاوية بجنوب لبنان فجر السبت، مما أسفر عن مقتل 12 عاملاً صحياً. أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل الضحايا الذين كانوا “أطباء ومسعفون وممرضون كانوا مناوبين في المركز”، بالإضافة إلى إصابة عامل صحي آخر بجروح.
أشارت الوزارة إلى أن “هذه الحصيلة الأولية مع استمرار عمليات الإنقاذ بحثاً عن مفقودين”، مما يشير إلى احتمالية ارتفاع عدد الضحايا. جاء الهجوم على المركز الصحي الذي يقدم خدمات طبية أساسية للمدنيين في منطقة تشهد قصفاً مكثفاً.
الحصيلة الإجمالية للعاملين الصحيين القتلى
أعلنت وزارة الصحة اللبنانية يوم السبت أن إجمالي عدد العاملين الصحيين القتلى منذ بدء الحرب في 2 مارس بلغ 26 عاملاً صحياً، مع إصابة 51 آخرين بجروح. وصفت الوزارة هذه الحصيلة بأنها “أبلغ دليل على الممارسات العنيفة للعدو”.
تشكل هذه الخسائر تحدياً خطيراً للقطاع الطبي اللبناني الذي يعاني بالفعل من نقص في الموارد والكوادر. فقدان عدد كبير من الكوادر الطبية يقوّض القدرة على تقديم الخدمات الطبية الضرورية للمدنيين المصابين.
الحجة الإسرائيلية حول استخدام سيارات الإسعاف
رد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على الانتقادات بشأن قتل العاملين الصحيين، متهماً حزب الله “باستخدام سيارات الإسعاف استخداماً عسكرياً واسعاً”. حذر أدرعي بأن إسرائيل ستعمل “وفقاً للقانون الدولي ضد أي نشاط عسكري” يقوم به حزب الله باستخدام سيارات الإسعاف.
جاء هذا الرد كمحاولة لتبرير استهداف المراكز الصحية والعاملين الصحيين، لكن الادعاء لم يقدم أدلة محددة على استخدام عسكري واسع لسيارات الإسعاف.
حزب الله يؤكد استعداده لـ”معركة وجودية”
أكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في خطابه مساء الجمعة أن الحزب أعد نفسه “لمواجهة طويلة” مع إسرائيل. وصف قاسم الصراع الحالي بأنه “معركة وجودية” قد تكون “الأخيرة” في سلسلة الحروب بين الطرفين.
قال قاسم إن “الظرف بات ملائماً لمواجهة العدو الذي يعتدي لمدة 15 شهراً ويبدو أنه لن يتوقف، من ناحية ثانية قتل إمامنا وقائدنا”، في إشارة إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الغارات الأميركية الإسرائيلية.
إطلاق الحرب ردوداً على مقتل خامنئي
أطلق حزب الله صواريخه باتجاه إسرائيل في 2 مارس، ردوداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربات إسرائيلية أميركية. جاء القرار بإشعار مفاجئ للحكومة اللبنانية وحلفاء الحزب، حيث أرسل الحزب وفداً إلى رئيس البرلمان نبيه بري قبل نصف ساعة فقط من إطلاق الصواريخ لإبلاغه بالقرار.
كان حزب الله ملتزماً بوقف إطلاق نار مع إسرائيل منذ نوفمبر 2024 بعد حرب دامية استمرت لأكثر من عام، غير أن إسرائيل واصلت شن ضربات خلال الأشهر الماضية أوقعت حوالي 500 قتيل من عناصره.
تحليل استراتيجي للحرب “الوجودية”
يرى محللون أن هذه قد تكون “المعركة الأخيرة” بين إسرائيل وحزب الله. قال خبير عسكري حسن جوني لوكالة فرانس برس: “بالنسبة لحزب الله هذه معركة وجودية، لأن المطلوب رأسه بالكامل، وهو سيقاتل بالتالي حتى الرمق الأخير”.
أضاف جوني: “بالنسبة لإسرائيل، هي المعركة الأخيرة مع حزب الله” في ظل توفر ظروف “قد لا تتكرر”، معدداً من بينها الوضع الضعيف جداً لإيران الداعمة الرئيسية للحزب، والظروف الإقليمية والدولية المؤاتية خاصة “في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب”.
مصادر حزب الله تكشف الحسابات الاستراتيجية
قال مصدر من حزب الله لوكالة فرانس برس إن الحزب “دخل الحرب بكل ما يملك. فإما أن ينتهي، وإما أن يكرس معادلة جديدة تقضي بانسحاب إسرائيل بالكامل من لبنان ووقف اعتداءاتها”.
أوضح المصدر أن “الحزب اتخذ قرار خوض الحرب منذ أشهر، وكان ينتظر متغيراً إقليمياً، وجده في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لأنه يعلم جيداً أنه بغض النظر عن نتيجة تلك الحرب، فإن دوره سيحين ولن تتردد إسرائيل في شن حملة واسعة ضده”.
القطاع الصحي يدفع ثمناً فادحاً
استهدفت الغارات الإسرائيلية المراكز الصحية والعاملين الصحيين بشكل متكرر، مما أسفر عن خسائر فادحة في القطاع الطبي اللبناني. يعكس هدف البنية التحتية الصحية استراتيجية إسرائيلية لضعضعة قدرة النظام الصحي على الاستجابة للأزمة.
تأثر الخدمات الطبية على المدنيين
مع استمرار قصف المراكز الصحية والعاملين الصحيين، تتراجع القدرة على تقديم الخدمات الطبية الأساسية للسكان المدنيين المصابين. يشهد الجنوب اللبناني والعاصمة بيروت نقصاً متزايداً في الكوادر الطبية والموارد الطبية.
الموقف الدولي والدعوات للمحادثات
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم السبت عبر منصة إكس إسرائيل إلى قبول “محادثات مباشرة” مع لبنان الذي أبدت حكومته استعدادها لها. دعا ماكرون إلى إنهاء الحرب، مشدداً على ضرورة أن يوقف حزب الله “فوراً نهجه التصعيدي” وعلى إسرائيل أن “تتخلى عن أي هجوم واسع النطاق وتوقف غاراتها المكثفة”.
جهود الأمم المتحدة الإنسانية
خلال زيارته إلى لبنان الجمعة، ناشد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش “حزب الله وإسرائيل للتوصل إلى وقف لإطلاق النار لوضع حد للحرب”.
أطلق غوتيريش نداء تمويل عاجلاً بقيمة 325 مليون دولار لدعم لبنان في الاستجابة لأزمة النازحين الذين شردتهم الحرب والذين تجاوز عددهم 800 ألف شخص.
الأزمة الإنسانية تتفاقم
أدت الحرب إلى نزوح أكثر من 800 ألف شخص من منازلهم، معظمهم من ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب البلاد. يعيش المئات من هؤلاء النازحين في مراكز إيواء مؤقتة، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يشهدها لبنان.
الخروقات ضد قوات الأمم المتحدة
قالت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية أن قذائف إسرائيلية سقطت يوم الجمعة داخل مقر الكتيبة النيبالية في قوات اليونيفيل (قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان) في بلدة ميس الجبل بمحافظة النبطية.
تشكل هذه الحادثة انتهاكاً للقانون الدولي وتهدد سلامة قوات المراقبة التابعة للأمم المتحدة التي تعمل على الفصل بين القوات المتنازعة.
موقف الحكومة اللبنانية المكبلة
بعد ساعات من إطلاق حزب الله الصواريخ، حظرت الحكومة اللبنانية أنشطة الحزب العسكرية والأمنية. اتهم رئيس الجمهورية جوزاف عون الحزب بالعمل على “سقوط دولة لبنان من أجل حسابات النظام الإيراني”.
لكن الحكومة اللبنانية تبدو مكبلة اليدين وغير قادرة على فرض سيطرتها، حيث لم يلقَ عرضها التفاوضي مع إسرائيل أي رد حتى الآن.
“خدمة” الأجندة الإيرانية
يرى محللون أن حزب الله، من خلال فتح جبهة لبنانية ضد إسرائيل، يقدم “خدمة” للأجندة الإيرانية. قال علي مراد، أستاذ جامعي ومحام: “من الواضح أن أولوية الحزب كانت فتح جبهة لبنان خدمة للأجندة الإيرانية، بعدما لم يقدم طيلة 15 شهراً على التحرك رغم تلقيه الضربات”.
أضاف مراد: “المعركة التي يخوضها حزب الله هي معركة وجود على جبهتين: جبهة لبنان وجبهة حليفته السياسية والعقائدية والاستراتيجية”.
انتقاد محلي لسلوك الحزب
لم يقنع نفي الحزب لارتباط توقيت معركته بالحرب على إيران المسؤولين والشريحة الواسعة من اللبنانيين الذين يعبرون عن غضب متنام من الحزب لجره البلاد إلى حرب جديدة. يرى البعض أن الحزب اختار فتح جبهة جديدة في اللحظة الخاطئة وللأسباب الخاطئة.
نهاية حزب الله كقوة إقليمية
يرى محلل استراتيجي أن هذه الحرب قد تنهي حزب الله كقوة إقليمية فاعلة. قال مراد: “انتهى حزب الله كقوة إقليمية وكسلاح استراتيجي، وهذه الحرب لن تنتهي بربح” للحزب.
يعكس هذا التقييم الصعوبات الاستراتيجية التي يواجهها الحزب: ضعف إيران الداعمة، الخسائر الكبرى التي تلقاها، وقطع طريق إمداده عبر سوريا بعد سقوط النظام السابق في نهاية 2024.
قدرات حزب الله العسكرية رغم الخسائر
رغم الخسائر الفادحة والضربات المتكررة، أثبت حزب الله قدرته على المفاجأة بشن هجمات تهدد إسرائيل. قال متحدث إسرائيلي ندافق شوشاني: “أمضى حزب الله عقوداً في تكديس السلاح، وعلى الرغم من أننا قللنا قدراته بشكل كبير خلال العامين والنصف الماضيين، إلا أنه ما زال يمتلك كميات كبيرة من الأسلحة التي تعرض المدنيين الإسرائيليين للخطر”.
الخاتمة:
تعكس الغارات الإسرائيلية المستمرة والخسائر في صفوف العاملين الصحيين والمدنيين حجم الأزمة الإنسانية التي تشهدها لبنان. يخوض حزب الله ما يصفه بأنه “معركة وجودية” قد تكون “الأخيرة”، فيما تحذر إسرائيل من أنها ستشن عملية برية واسعة ما لم يتم نزع سلاح الحزب. في الوقت ذاته، تبدو الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي عاجزين عن إيقاف دوامة العنف، وتتسارع الأزمة الإنسانية التي تهجر مئات الآلاف من سكانهم.






