أعلن الجيش الإسرائيلي السبت أنه نفذ ضربات واسعة ضد منشآت عسكرية إيرانية، بما فيها قصف مقر هيئة الصناعات البحرية الإيرانية في طهران. جاء الإعلان ضمن موجة من الهجمات الإسرائيلية الأمريكية المشتركة التي استهدفت المجمع الصناعي العسكري الإيراني. بحسب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي العميد إفي دفرين، ستستكمل إسرائيل هجماتها على المنشآت العسكرية الإيرانية خلال الأيام القادمة لتدمير “معظم القدرات العسكرية الإنتاجية” للنظام الإيراني. غير أن تحليلات متخصصة تحذر من أن استنزاف الذخيرة الدفاعية والصواريخ الاعتراضية قد يشكل تحدياً كبيراً إذا استمرت الحرب على المدى الطويل، مما يطرح أسئلة حول استدامة القدرات الدفاعية الإسرائيلية.
ضربات موجهة ضد قلب الصناعة البحرية الإيرانية
قال الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي: “ضربنا مقر هيئة الصناعات البحرية التابعة للنظام الإرهابي الإيراني” في إطار سلسلة هجمات ليلية امتدت من ليل الجمعة إلى صباح السبت. استهدفت الضربات المنشأة المسؤولة عن البحث والتطوير والإنتاج لمجموعة واسعة من الأسلحة البحرية، تشمل السفن السطحية والغواصات والمعدات المأهولة وغير المأهولة والمحركات والأسلحة.
أعلن المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي العميد إفي دفرين في مؤتمر صحفي تلفزيوني السبت عن خطة توسيع الهجمات قائلاً: “بإمكاني الآن القول بأنه خلال بضعة أيام سننهي الهجمات على جميع المكونات الحرجة لهذه الصناعة”. وأضاف: “هذا يعني أننا سندمر معظم قدراتها العسكرية الإنتاجية، وسيستغرق النظام وقتاً طويلاً لإعادة بناؤها”.
استهداف المواقع النووية والعسكرية
تعكس الهجمات الحالية تصعيداً متسارعاً في الحملة العسكرية ضد إيران. منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، بعد هجوم أمريكي إسرائيلي على الجمهورية الإسلامية، استهدفت الضربات المشتركة أيضاً المواقع النووية الحساسة، بما فيها منشأة لمعالجة اليورانيوم ومفاعل ماء ثقيل. تشير هذه الاستراتيجية إلى رغبة إسرائيلية وأمريكية في تقويض القدرات الإيرانية على كل الأصعدة العسكرية والنووية.
الدفاعات الإسرائيلية تعترض معظم الصواريخ الإيرانية لكن بمخاوف من الاستنزاف
رغم النجاحات الملحوظة للدفاعات الجوية الإسرائيلية في اعتراض معظم الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله، إلا أن محللين عسكريين يحذرون من احتمالية استنزاف الذخيرة الدفاعية إذا استمرت الحرب على مدى طويل. يتمتع النظام الدفاعي الإسرائيلي بسمعة عالمية كنظام متقدم وفعّال، لكن قدراته ليست لا محدودة.
يتكون النظام الدفاعي الإسرائيلي من طبقات متعددة على شكل “طبق” يسمح له بالاستجابة للتهديدات على أي ارتفاع. تتمكن منظومتا آرو 2 و3 من اعتراض الصواريخ التي تحلق خارج الغلاف الجوي للأرض، بينما يكمل نظام ثاد الأمريكي الدفاعات الإسرائيلية. قال العميد بيني يونغمان، رئيس شركة “تي إس جي” الإسرائيلية المتخصصة في أنظمة الأمن: “لا يوجد مكان في إسرائيل غير محمي بدفاعات جوية متعددة الطبقات”. لكنه أقرّ أن “في مجال الدفاع، لا تصل نسبة الحماية إلى 100 في المئة أبداً”، مشيراً إلى معدل “استثنائي” بنسبة 92 في المئة في اعتراض الصواريخ.
أرقام الاعتراض والخسائر المدنية
كشف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني أن إيران أطلقت أكثر من 400 صاروخ بالستي منذ بداية الحرب في 28 فبراير. أفاد شوشاني بأن معدل الاعتراض “تخطى التوقعات”، مما يعكس فعالية الأنظمة الدفاعية المتقدمة. ومع ذلك، فإن معظم الأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية جاءت من حطام الصواريخ المعترضة. من بين 19 مدنياً قُتلوا منذ بداية الحرب، قُتل نصفهم جراء صواريخ إيرانية اخترقت الدفاعات الإسرائيلية بنجاح.
استنزاف الذخيرة الدفاعية يقلق المحللين العسكريين
بعد نحو أسبوعين على اندلاع الحرب في فبراير، ذكرت تقارير أمريكية أن إسرائيل “تعاني من نقص خطير في منظومات اعتراض الصواريخ البالستية”. نفى مصدر عسكري إسرائيلي رسمي هذا التقرير وقتها، مؤكداً أن النقص غير موجود “حتى الآن”، وأن الجيش “مستعد لمعركة طويلة”.
لكن تحليلاً حديثاً صادراً عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني (RUSI) كشف حجم الاستهلاك الفعلي للذخائر. استهلكت الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما كميات ضخمة من الذخائر الهجومية والدفاعية خلال الستة عشر يوماً الأولى من الحرب: 11294 ذخيرة، بقيمة إجمالية قدرها 26 مليار دولار. وأشار التقرير إلى أن “الصواريخ الاعتراضية البعيدة المدى والذخائر العالية الدقة استُنزفت بشكل شبه كامل بعد الأسبوعين الأولين من الحرب”.
السباق مع الزمن والقيود الإنتاجية
قال الكولونيل الأمريكي جاهارا ماتيسيك، أحد المشاركين في إعداد الدراسة: “هذا يعني أنه إذا استمرت الحرب، سيتعيّن على الطائرات الإسرائيلية والأمريكية التوغل بشكل أعمق في المجال الجوي الإيراني. على الصعيد الدفاعي، هذا يعني تدمير مزيد من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية”.
غير أن إعادة الإمداد سريعة والإنتاج الجديد يواجهان عقبات حقيقية. قال ماتيسيك: “الأمر لا يتعلق بالمال فقط، بل بالواقع الصناعي”، مشيراً إلى “مهل طويلة متعلقة بالحصول على المكونات وقدرة محدودة على الاختبار، وسلاسل إنتاج غير منتشرة في أماكن عدة”. صواريخ آرو الاعتراضية الإسرائيلية تتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف عالية جداً للإنتاج.
يكشف التحليل أن إسرائيل استنفدت 81.33 في المئة من مخزوناتها من صواريخ آرو الاعتراضية منذ بداية الحرب، ومن المحتمل أن تُستهلك “بشكل كامل بحلول نهاية مارس” إذا استمرت الحرب بالوتيرة الحالية.
أعطال تهدد الدفاعات والتحديات المستقبلية
النظام الدفاعي الإسرائيلي ليس بمنأى عن الأعطال الفنية. اعترف الجيش الإسرائيلي بأن عطلاً في منظومة “مقلاع داود” المضادة للصواريخ أدى إلى سقوط صاروخين إيرانيين في الأسبوع الماضي في مدينتين جنوب إسرائيل، إحداهما ديمونا التي تضم منشأة نووية في صحراء النقب. استشهدت صحيفة “كاليكاليست” الإسرائيلية بأن الجيش اختار استخدام مقلاع داود القصير المدى للحفاظ على مخزونه من صواريخ آرو الاعتراضية الحساسة والمكلفة.
يشكل نظام “مقلاع داود” الطبقة المتوسطة في بنية الدفاع الصاروخي الإسرائيلي، مكملاً لأنظمة “هيتز” (آرو) و”القبة الحديدية”، بالإضافة إلى نظام الليزر “شعاع الحديد” الذي يعترض مجموعة واسعة من المقذوفات.
الخيارات الاستراتيجية الثلاث
أشار جان لوب سامان، الباحث في معهد الشرق الأوسط بسنغافورة، إلى أن إسرائيل تواجه ثلاثة خيارات استراتيجية رئيسية للتعامل مع التهديدات الصاروخية الإيرانية:
- دمج الأنظمة الدفاعية: تجميع أنظمة الدفاع الجوي المختلفة وتنسيقها بكفاءة لتجنب النقص والثغرات
- التضحية بمناطق معينة: السماح بسقوط بعض الصواريخ والمسيّرات في مناطق غير مأهولة بالسكان للحفاظ على الذخيرة الثمينة
- التصعيد العسكري: مواصلة وتصعيد الضغط العسكري على إيران لإضعاف قدراتها قبل استنفاد موارد الدفاع الإسرائيلي بالكامل
الخلاصة:
تعكس الهجمات الإسرائيلية على المنشآت العسكرية الإيرانية استراتيجية عسكرية موجهة لتقويض القدرات الإنتاجية الإيرانية. غير أن الحسابات الدفاعية تكشف عن معادلة معقدة: بينما تحقق إسرائيل معدلات اعتراض مرتفعة نسبياً (92 في المئة)، فإن استمرار الحرب يهدد باستنزاف الذخيرة الدفاعية والصواريخ الاعتراضية بسرعة أكبر من إمكانيات الإنتاج. إذا طالت الحرب، قد تضطر إسرائيل لاختيار بين التوسع الجغرافي للعمليات العسكرية أو قبول فجوات في الدفاعات. التحدي الحقيقي لا يقتصر على القدرات العسكرية بل على الاستدامة الاقتصادية والصناعية على مدى صراع قد يمتد أسابيع أو شهوراً.






