تفاقمت أزمة النفط في كوبا بعد فرض حصار أميركي على إمدادات النفط، ما أدى إلى توقف تدفق شحنات الخام الفنزويلي التي كانت تشكل ركيزة أساسية لإمدادات الطاقة في الجزيرة. وجاءت هذه التطورات عقب إعلان واشنطن الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع يناير، وتهديدها بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع المحروقات لهافانا.
وتعاني كوبا منذ سنوات من نقص حاد في الوقود نتيجة العقوبات الأميركية المستمرة منذ عام 1962، إلا أن توقف الإمدادات الفنزويلية عمّق أزمة الكهرباء والنقل وأثر بشكل مباشر على قطاعات حيوية في الاقتصاد، بحسب تقارير وكالة فرانس برس.
وقد تباينت مواقف دول أميركا اللاتينية بين تقديم مساعدات إنسانية أو دعم سياسي، وبين التزام الصمت أو إنهاء اتفاقيات تعاون قائمة مع هافانا.
مساعدات إنسانية محدودة في ظل أزمة النفط في كوبا
اتجهت بعض الحكومات ذات التوجه اليساري إلى تقديم دعم مادي محدود رغم الضغوط الأميركية.
المكسيك، الحليف التقليدي لكوبا، أوقفت شحنات النفط في مطلع يناير. وقالت الرئيسة كلاوديا شينباوم إن جزءا من الإمدادات السابقة كان ضمن برنامج مساعدات إنسانية. لكنها أعربت عن رفضها للتهديدات الأميركية بفرض رسوم على الدول التي تواصل بيع المحروقات لهافانا.
ووصلت سفينتان تابعتان للبحرية المكسيكية إلى هافانا محملتين بـ 814 طنا من المواد الغذائية، مع إعلان عن إرسال أكثر من 1500 طن إضافي من المساعدات. كما افتتحت الحكومة المكسيكية مركزا لجمع التبرعات لصالح كوبا في مكسيكو سيتي.
وفي تشيلي، أعلن الرئيس المنتهية ولايته غابرييل بوريك تخصيص مليون دولار دعما لكوبا، وهو قرار انتقده الرئيس المنتخب خوسيه أنطونيو كاست، المعروف بقربه من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
دول أخرى اتخذت مواقف حذرة:
• كولومبيا وأوروغواي لم تعلنا تقديم مساعدات مباشرة، مع تأكيد أوروغواي أنها تدرس الوضع.
• الإكوادور لم تطلق برامج دعم إنساني جديدة.
• الأرجنتين حذرت مواطنيها من السفر إلى كوبا بسبب تفاقم أزمة الطاقة.
دعم سياسي دون إمدادات مباشرة
أعلنت بعض الحكومات رفضها للضغوط الأميركية دون أن تقر إرسال مساعدات فعلية.
في البرازيل، انتقد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الإجراءات الأميركية ضد كوبا، إلا أن حكومته لم تعلن عن شحنات دعم جديدة.
وتبقى البرازيل على صلة بهافانا عبر برنامج “المزيد من الأطباء” الذي يستقدم كوادر طبية كوبية للعمل في مناطق نائية. وتعد البعثات الطبية إلى الخارج أحد أهم مصادر العملة الصعبة لكوبا، إذ بلغت عائداتها نحو 7 مليارات دولار في عام 2025 وفق أرقام رسمية.
أما في فنزويلا، فأكدت الحكومة المؤقتة برئاسة ديلسي رودريغيز تضامنها مع كوبا. وكانت كاراكاس المورد الرئيسي للنفط إلى هافانا حتى مطلع يناير. وتستضيف فنزويلا نحو 13 ألف طبيب وممرض كوبي.
نيكاراغوا رفضت العقوبات الأميركية لكنها لم تعلن عن شحنات دعم جديدة، كما أنهت العمل بإعفاء التأشيرة للمواطنين الكوبيين الذي كان معمولا به منذ عام 2021.
إنهاء اتفاقيات طبية وتعاون اقتصادي
في المقابل، أنهت دول قريبة من واشنطن بعض أوجه التعاون مع كوبا، خاصة في المجال الطبي.
غواتيمالا أنهت اتفاقا استمر 27 عاما كان يسمح لآلاف الأطباء الكوبيين بالعمل في مناطق نائية. ومن المتوقع مغادرة 412 من الكوادر الطبية الكوبية خلال الأشهر المقبلة.
كما أعلنت هندوراس نيتها إنهاء عمل البعثات الطبية الكوبية، فيما أوقفت أنتيغوا وبربودا اتفاقا مشابها في ديسمبر.
غيانا، التي تربطها اتفاقيات طويلة الأمد مع هافانا، أعلنت أنها ستدفع مستحقات الأطباء مباشرة بدلا من تحويلها عبر الحكومة الكوبية.
وتؤثر هذه القرارات على أحد أهم مصادر دخل كوبا الخارجي، في وقت تتعرض فيه قطاعات أخرى لضغوط متزايدة.
تداعيات داخلية على الاقتصاد والحياة اليومية
النقل وانقطاع الكهرباء
أدت أزمة النفط في كوبا إلى تقليص خدمات النقل العام وفرض إجراءات تقنين للوقود. وأصبحت سيارات الأجرة نادرة في شوارع هافانا، فيما ارتفعت الأسعار مع لجوء بعض السائقين إلى شراء الوقود من السوق السوداء بأسعار تصل إلى خمسة دولارات للتر الواحد.
في المقابل، انتشرت الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات وعربات الركشا كبدائل أقل كلفة. لكن استمرار انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يوميا يعرقل عملية شحن هذه المركبات.
السياحة والتبغ والتحويلات المالية
قطاع السياحة، ثاني أكبر مصدر للعملة الصعبة بعد الخدمات الطبية، تعرض لضغوط إضافية. وأعلنت السلطات تعليق إمدادات وقود الطائرات، ما دفع شركات طيران من كندا وروسيا وأميركا اللاتينية إلى إعادة مسافرين وتعليق رحلاتها.
كما نصحت دول بينها كندا وروسيا وإسبانيا وألمانيا رعاياها بتجنب السفر إلى الجزيرة.
قطاع التبغ، الذي سجل مبيعات بقيمة 827 مليون دولار في 2024، يواجه صعوبات في الري والحصاد بسبب نقص الوقود. وتم إلغاء مهرجان السيجار السنوي الذي حقق في 2025 عائدات قاربت 19 مليون دولار عبر مزادات.
أما التحويلات المالية، فتبقى محدودة منذ تعليق قنوات التحويل الرسمية عام 2020، مع اعتماد العديد من العائلات على طرق غير رسمية لإيصال الأموال.
Conclusion: انقسام إقليمي في ظل أزمة متفاقمة
تكشف أزمة النفط في كوبا عن انقسام واضح في مواقف دول أميركا اللاتينية بين دعم إنساني أو سياسي محدود، وبين الاصطفاف مع واشنطن وإنهاء اتفاقيات التعاون مع هافانا.
ومع استمرار نقص الوقود وتزايد الضغوط على القطاعات الحيوية، يبقى مستقبل الأزمة مرتبطا بالتطورات السياسية والإقليمية الأوسع.






