يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال استقباله رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض الخميس إلى حملها على الموافقة على إشراك القوات اليابانية في تأمين مضيق هرمز الاستراتيجي. في الوقت نفسه، بدأت واشنطن تدرس خطوات لتخفيف الضغط على أسعار الطاقة من خلال رفع العقوبات عن شحنات نفط إيرانية.
أكدت تاكايتشي يوم الأربعاء أمام البرلمان أنها ستكون “صريحة” مع ترامب بشأن القيود القانونية التي تمنع اليابان من إرسال قوات الدفاع الذاتي للعمل بصيغة عسكرية مباشرة. قالت: “ما لا يمكننا فعله لن نفعله. أعتزم أن أكون صريحة جداً بهذا الشأن.”
غير أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أعلن أن إدارة ترامب تدرس رفع العقوبات عن شحنات النفط الإيراني المخزنة في ناقلات، في محاولة للحد من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. يعكس هذا التراجع جزئياً عن الموقف الصارم تجاه إيران صراعاً بين الأهداف العسكرية والضغوط الاقتصادية.
الضغوط الأميركية على حلفاء لتأمين مضيق هرمز
دعا الرئيس ترامب الأحد حلفاء الولايات المتحدة، بما فيهم اليابان والصين، للمساهمة في إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران بشكل كامل تقريباً. يمرّ عبر المضيق حوالي خمس إنتاج النفط العالمي، مما يجعل إعادة فتحه قضية حيوية لاستقرار الأسواق العالمية.
قوبلت مطالب ترامป بـرفض شبه كامل من حلفاء الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار غضب الرئيس الأميركي. تعكس هذه الرفوض تحفظات عميقة لدى الحلفاء حول الانخراط في عمليات عسكرية قد تعمق الصراع وتفاقم الأزمة الإنسانية.
تحتل اليابان موقعاً خاصاً بين هؤلاء الحلفاء. استقبل ترامپ في أكتوبر بـاهتمام كبير، وأعرب عن دعمه لتاكايتشي قبل الانتخابات البرلمانية في 8 فبراير. إلا أن هذا الدعم لم يمنع ترامپ من الضغط مباشرة على اليابان لتقديم مساعدة عسكرية.
الموقف الياباني الصعب والقيود الدستورية
قالت سايوري رومي، الخبيرة لدى صندوق مارشال الألماني، إن رئيسة الحكومة المحافظة “في وضع صعب للغاية”. يتعين عليها وضع “حدود واضحة” أمام مطالب الرئيس الأميركي مع “الحرص على عدم تقديم وعود لا تستطيع اليابان الوفاء بها” بشأن تأمين مضيق هرمز.
أشارت رومي إلى معضلة أساسية: “أمن الطاقة لبلادها يعتمد على النفط الإيراني”. هذا يعني أن أي عملية عسكرية ضد إيران قد تهدد الإمدادات النفطية الحيوية للاقتصاد الياباني نفسه.
يعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالمة رسمياً. يدعم العديد من الناخبين دستور 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب. قالت تاكايتشي: “يجب على الطرف الآخر أن يكون على دراية تامة بالإطار القانوني الياباني.”
اعتماد اليابان على النفط والشرق الأوسط
تعد اليابان رابع اقتصاد في العالم وخامس أكبر مستورد للنفط عالمياً. تحصل على حوالي 95 في المئة من إمداداتها البترولية من الشرق الأوسط، وتمر 70 في المئة من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز.
أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على الشركات والأسر اليابانية. تحقق اليابان نمواً ضعيفاً بالفعل وتراكم ديوناً عامة كبيرة، مما يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط بشكل إضافي على الاقتصاد الياباني الهش.
هذا يفسر سبب محاولة تاكايتشي إعطاء الأولوية للقضايا الاقتصادية خلال اجتماعها مع ترامپ. تعهدت اليابان باستثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة، في مقابل خفض الرسوم الجمركية من 25 في المئة إلى 15 في المئة. قد تحاول استخدام هذه الحزم الاقتصادية كورقة تفاوضية.
معادن نادرة والتعاون التكنولوجي
ستناقش تاكایشي خطط اليابان لاستخراج المعادن الأرضية النادرة، من خلال اقتراح التعاون مع الولايات المتحدة لاستغلال الرواسب التي اكتُشفت مؤخراً في المحيط الهادئ.
تشكل المعادن الأرضية النادرة موارد استراتيجية حيوية للتكنولوجيا الحديثة والعسكرية. سيكون التعاون بين اليابان والولايات المتحدة بديلاً استراتيجياً يقلل الاعتماد على المصادر الصينية.
واشنطن تدرس رفع العقوبات عن النفط الإيراني
قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الخميس إن واشنطن قد ترفع العقوبات عن شحنات نفط إيرانية مخزنة في ناقلات، في محاولة للتحكم بارتفاع أسعار الطاقة جراء الحرب في الشرق الأوسط.
جاءت التصريحات لشبكة “فوكس بيزنس” فيما شهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعاً حاداً بعد أن ضربت إيران أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم في قطر وهددت بقصف البنى التحتية للطاقة في المنطقة.
يعكس هذا التراجع جزئياً محاولة من إدارة ترامپ للتوازن بين هدفها العسكري المعلن ضد إيران والضغوط الاقتصادية الحقيقية على حلفائها وعلى الاقتصاد الأميركي ذاته.
خطوات إضافية لتثبيت أسعار الطاقة
أضاف بيسنت أن الحكومة الأميركية قد تلجأ أيضاً إلى ضخ كميات إضافية من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية. تسعى إدارة ترامپ جاهدة لكبح ارتفاع تكاليف الطاقة في خضم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 فبراير.
أدت ردود طهران إلى توقف شبه تام للشحن التجاري عبر مضيق هرمز، ما عرقل سلاسل إمداد الطاقة العالمية. كان يمرّ حوالي خمس النفط الخام العالمي والغاز الطبيعي المسال عبر الممر المائي الحيوي قبل الحرب.
ارتفع سعر خام برنت بنسبة 10% في وقت سابق الخميس قبل أن يتراجع إلى زيادة بنسبة 5% عند 112.76 دولاراً للبرميل. تعكس هذه التذبذبات عدم الاستقرار في الأسواق وتوقعات السوق بشأن تطور النزاع.
سابقة روسية والعقوبات الاقتصادية
كانت الولايات المتحدة سمحت مؤخراً بشكل موقت ببيع نفط روسي خاضع للعقوبات كان في عرض البحر، مع توسع نطاق الحرب في الشرق الأوسط. تعكس هذه السابقة استعداد الإدارة الأميركية للتعامل المرن مع سياسة العقوبات عندما تؤثر على أسعار الطاقة العالمية.
يشير هذا النمط إلى أن الضغوط الاقتصادية على الحلفاء والأسواق العالمية قد تدفع واشنطن للتراجع عن بعض التزاماتها العقابية ضد خصومها. قد يعكس ذلك تحقيقاً من إدارة ترامپ بأن استمرار الحرب والعقوبات المشددة قد يضر بمصالح حلفائها وشركائها التجاريين.
التحديات الجيوسياسية والمخاوف الإقليمية
مع توتر العلاقات بين اليابان والصين مؤخراً، تشعر طوكيو بالقلق إزاء احتمال عدم إبداء إدارة ترامپ اهتماماً بالاستقرار الإقليمي. قال مسؤول ياباني رفيع المستوى: “نأمل أن تشمل الزيارة القضايا المتعلقة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.”
من المقرر أن يزور ترامپ الصين خلال الشهر المقبل، بعدما كانت زيارته مقررة في أواخر مارس. تم تأجيل الزيارة بناءً على طلب من ترامپ نفسه، في ظل الحرب في الشرق الأوسط. قد تسفر هذه الزيارة عن صفقات جيوسياسية تؤثر على الاستقرار الإقليمي دون استشارة كافية للحلفاء الآسيويين.
التأثير على شعبية تاكايتشي
تتعرض شعبية رئيسة الحكومة اليابانية لاختبار على خلفية الحرب في الشرق الأوسط. أدت الحرب إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على الشركات والأسر اليابانية.
قد تؤثر هذه الضغوط الاقتصادية على شعبية تاكايتشي إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع. قد ترى الجماهير اليابانية أن حكومتها غير قادرة على حماية مصالحها الاقتصادية أمام الضغوط الأميركية والأزمات العالمية.
موقف البنتاغون وعدم وجود جدول زمني
أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسث يوم الخميس أنه “لا يوجد جدول زمني” لإنهاء حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، التي انطلقت قبل ثلاثة أسابيع.
قال هيغسث: “لن نرغب في تحديد جدول زمني نهائي”، مضيفاً أن “نحن نسير على المسار الصحيح تماماً” وأن الرئيس ترامپ هو من سيقرر متى إيقاف العمليات. قال: “سيكون من اختيار الرئيس في النهاية متى نقول: حسناً، لقد حققنا ما نحتاجه.”
يعكس هذا التصريح نية أميركية للاستمرار في العمليات العسكرية بدون حد زمني واضح. قد يعني هذا احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة جداً، مما سيزيد من تأثر اليابان وحلفاء آخرين بارتفاع أسعار الطاقة.
طلبات التمويل العسكري والأسلحة المستخدمة
أشار هيغسث إلى تقرير يفيد بأن البنتاغون طلب أكثر من 200 مليار دولار في تمويل إضافي من الكونجرس. قال: “بخصوص 200 مليار دولار، أعتقد أن هذا الرقم قد يتحرك. بكل وضوح يتطلب الأمر أموالاً لقتل الخصوم السيئين.”
قدم الجنرال دان كين، كبير الضباط العسكريين الأميركيين، تفاصيل حول الأسلحة المستخدمة. قال إن طائرات A-10 Warthogs تـ”تصيد وتقتل الزوارق السريعة” في مضيق هرمز. يتم استخدام مروحيات AH-64 Apaches في العراق لاستهداف مجموعات موالية لإيران، وبدأ بعض الحلفاء الأميركيين باستخدام هذه المروحيات لمواجهة الطائرات بدون طيار الإيرانية.
Conclusion:
تعكس الأحداث من يوم الخميس توترات عميقة في السياسة الأميركية تجاه حروبها وحلفائها. بينما تحاول واشنطن حمل اليابان على الالتزام بعمليات عسكرية لتأمين مضيق هرمز، تدرس البيت الأبيض في الوقت نفسه التراجع عن العقوبات الاقتصادية ضد إيران للحد من ارتفاع أسعار الطاقة. يعكس هذا التناقض صراعاً حقيقياً بين الأهداف العسكرية والضغوط الاقتصادية. تاكايتشي تواجه معادلة صعبة جداً: الحفاظ على العلاقات مع واشنطن مع حماية مصالح اليابان الاقتصادية والدستورية.






