مات 15 عنصراً من الحشد الشعبي صباح يوم الثلاثاء في غارة تُنسب إلى الولايات المتحدة استهدفت مركزاً عملياتياً بمحافظة الأنبار غرب العراق، بينما قتل 6 مقاتلين من البيشمركة في منطقة كردستان العراق في هجمات صاروخية إيرانية. تعكس الخسائر المتزامنة عبر مناطق مختلفة والنسب إلى قوى أجنبية متعددة تعقيد موقع العراق كساحة صراع بين عدة أطراف في حرب الشرق الأوسط الأوسع.
ردت الحكومة العراقية على الهجمات باستدعاء القائم بالأعمال الأمريكي والسفير الإيراني لتقديم احتجاجات رسمية، وأعطت الحشد الشعبي وقوات أمنية أخرى صلاحيات لممارسة “الدفاع عن النفس” ضد هجمات مستقبلية.
أكثر الغارات دموية على الحشد منذ بدء الحرب
بحسب الأرقام الرسمية للخسائر المعلنة في ضربات على العراق منذ بدء الحرب في 28 فبراير، تمثل الغارة على الحشد الشعبي بمحافظة الأنبار الحادثة الأكثر دموية. أسفرت الغارة عن مقتل 14 عنصراً بالإضافة إلى سعد داوي، قائد عمليات محافظة الأنبار في الحشد الشعبي.
أفاد مصدر في الحشد الشعبي لوكالة فرانس برس بأن القصف تم أثناء “اجتماع قادة” بقاعدة هبانية بالأنبار. استهداف اجتماع قادة يشير إما إلى استخبارات متطورة أو قرار مقصود باستهداف قيادات الحشد الشعبي العليا.
آثار على القيادة العسكرية
يمثل مقتل سعد داوي، قائد عملياتي كبير، ضربة كبيرة لهيكل قيادة الحشد الشعبي بالأنبار، إحدى أكبر المحافظات جغرافياً وأهميتها الاستراتيجية بين الحدود مع سوريا والأردن والسعودية.
أول خسائر للبيشمركة منذ بدء الحرب
تمثل الهجمات على قوات البيشمركة بإقليم كردستان أول خسائر لهذه القوات منذ بدء الحرب. أعلنت وزارة البيشمركة بحكومة الإقليم عن مقتل 6 مقاتلين في هجومين منفصلين على مواقع بمحافظة أربيل على المناطق الحدودية.
قالت بيان الوزارة: “في ساعات الصباح الباكر، وفي حادثتين منفصلتين، تعرضت قيادة الكتيبة السابعة على المحور الأول، وعناصر من الكتيبة الخامسة على الحدود، لعدوان غادر وجبان بعيد عن القيم الإنسانية ومبادئ حسن الجوار، عند استهدافها بـ 6 صواريخ باليستية إيرانية”.
رد البيشمركة والسيادة الوطنية
شددت بيان وزارة البيشمركة على “حقنا السيادي والشرعي في الرد الردع ضد أي اعتداء أو عدوان يستهدف شعبنا وأرضنا”. اللغة الحادة تشير إلى أن حكومة الإقليم الكردي ترى الضربات الإيرانية كتهديد مباشر وتنوي الرد.
أفادت وزارة البيشمركة بأن الهجوم أسفر عن “استشهاد 6 من أبطالنا والإصابة 30 آخرين”.
السياق: الهجمات على العراق منذ بدء الحرب
منذ امتداد حرب الشرق الأوسط إلى العراق، تعرضت مواقع الحشد الشعبي والفصائل العسكرية العراقية الموالية لطهران لغارات تُنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تستهدف هجمات الفصائل العراقية المصالح الأمريكية. قامت إيران بضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال العراق.
لم تعلق واشنطن ولا طهران فوراً على الهجمات المنسوبة إليهما.
طبيعة وحجم الخسائر العراقية
تمثل غارة الأنبار تصعيداً كبيراً في العمليات العسكرية الأمريكية ضد القوات العراقية. استهداف اجتماع قادة يشير إلى التخطيط العملياتي المقصود وليس مجرد ضربات عشوائية على البنى التحتية.
تشير الضربات الإيرانية المتزامنة على مواقع البيشمركة إلى عزم إيراني على استهداف القوات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة، مما يوسع ساحة الصراع داخل الأراضي العراقية.
الرد الحكومي العراقي الطارئ
أعلنت السلطات الأمنية العراقية أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بصفته “القائد العام للقوات المسلحة”، عقد اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن الوطني عقب غارة الأنبار.
وصفت بيان الخلية الإعلامية الأمنية الرسمية غارة الأنبار بأنها “جريمة نكراء تستهدف الإضرار بأمن واستقرار العراق”.
تفويض الدفاع عن النفس
في مساء يوم الثلاثاء، فوضت السلطات العراقية صلاحيات كبيرة للحشد الشعبي وقوات أمنية أخرى. بحسب وكالة الأنباء الرسمية العراقية، أعطت مجلس الأمن الوطني “صلاحيات للحشد الشعبي والأجهزة الأمنية الأخرى بممارسة حق الرد والدفاع عن النفس في مواجهة العمليات العسكرية التي تستهدف مواقعهم” منذ بدء الحرب في 28 فبراير.
أهمية تفويض الدفاع عن النفس
أفاد مسؤول في الحشد الشعبي لوكالة فرانس برس بأن “الحشد الشعبي لديه القدرة على إسقاط عدد كبير من الطائرات العدوة، لكنه لم يكن لديه تفويض بفتح النار. لكن بعد أن حصل على تفويض رسمي بالدفاع عن النفس، سيدافع عن نفسه ضد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية”.
يمثل هذا التفويض تصعيداً كبيراً في صلاحيات الحشد الشعبي ويشير إلى أن الحكومة العراقية تتخلى عن الاعتدال السابق في العمليات العسكرية للحشد.
هجوم إضافي في الموصل
أعلن الحشد الشعبي في وقت لاحق من يوم الثلاثاء عن قصف مكتبه بمدينة الموصل بما وصفه بـ “القصف الصهيو-أمريكي”، مما أسفر عن تدمير المنشأة وإصابة عنصر من الحشد.
أفاد مصدر في الحشد الشعبي لوكالة فرانس برس بأن هذا الموقع كان “مقر قائد عمليات الموصل بالحشد الشعبي”.
لكن مسؤول أمني أخبر وكالة فرانس برس بأن الموقع كان في الحقيقة “دار ضيافة” حيث يستريح فيها زعيم الحشد الشعبي فليح الفياض عند زيارته الموصل. أكد المسؤول بأن الفياض لم يكن بالمدينة يوم الثلاثاء.
التناقضات في التقارير
تعكس الروايات المختلفة بشأن منشأة الموصل صعوبة الحصول على معلومات دقيقة عن الأهداف العسكرية والخسائر وسط الصراع المستمر والسرديات المتنافسة.
الردود الدبلوماسية العراقية
أعلنت بغداد يوم الثلاثاء مساءً عن نيتها استدعاء القائم بالأعمال الأمريكي والسفير الإيراني لتقديم احتجاجات رسمية على الضربات.
قال صباح النعماني، المتحدث باسم القيادة العامة للقوات المسلحة، في بيان: إن مجلس الأمن الوطني قرر في اجتماعه الطارئ أن “وزارة الخارجية ستتخذ الترتيبات اللازمة لاستدعاء القائم بالأعمال الأمريكي والسفير الإيراني لتسليمهم مذكرات احتجاج رسمية بشأن الهجمات التي استهدفت مواقع الحشد الشعبي بمحافظة الأنبار والمناطق الأخرى، فضلاً عن مواقع حرس الإقليم (البيشمركة) بأربيل”.
الأهمية الدبلوماسية
يعكس الاستدعاء المتزامن لكل من السفيرين الأمريكي والإيراني محاولة عراقية للحفاظ على توازن بين القوتين، وكلاهما لا يحترم بالكامل السيادة العراقية.
خلفية عن الحشد الشعبي
الحشد الشعبي هو تحالف من الفصائل تم تشكيله عام 2014 لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”. تم لاحقاً ضمه إلى الهيكل المؤسسي للجيش العراقي وأصبح تابعاً للقوات المسلحة، رغم أن عدداً من الألوية تبقى موالية لإيران وليس للحكومة العراقية.
يشمل الحشد الشعبي أيضاً ألوية تابعة لفصائل موالية لإيران تعمل بشكل مستقل، وتشكل ما يُعرف بـ “المقاومة الإسلامية في العراق”.
الولاءات المزدوجة في القوات العراقية
يخلق وجود فصائل موالية لإيران داخل الحشد الشعبي تعقيدات حول السيادة العراقية ويجعل العراق ساحة منافسة إيرانية أمريكية.
مطالب الحشد الشعبي بإجراء سياسي
أصدر الحشد الشعبي بياناً اتهم فيه القوى السياسية في العراق بـ “مسؤوليتهم الكاملة في مواجهة هذه الانتهاكات الأمريكية المتكررة، واتخاذ مواقف واضحة وحاسمة تحافظ على السيادة الوطنية وتضع حداً لهذه الاعتداءات الخطيرة”.
يوحي هذا التعبير بأن الحشد الشعبي يمارس ضغطاً على الحكومة العراقية لاتخاذ إجراء أقوى ضد العمليات الأمريكية.
السياق: العمليات العسكرية المستمرة
اعترف البنتاغون يوم الخميس للمرة الأولى بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لإيران في العراق. جاء هذا الاعتراف بعد أسابيع من إنكار الحشد الشعبي والحكومة العراقية وجود عمليات عسكرية أمريكية على الأراضي العراقية.
العمليات الأمريكية والإيرانية في العراق
تقوم فصائل عراقية موالية لإيران، بما فيها تلك التي تعمل تحت مسمى “المقاومة الإسلامية في العراق”، بهجمات يومية باستخدام طائرات بدون طيار وصواريخ ضد ما تصفه بـ “قواعد العدو” في العراق والمنطقة.
تستمر هذه العمليات رغم المبادرات الدبلوماسية والإعلانات عن محادثات سلام، مما يشير إلى اختلاف أساسي بين الفصائل حول ما إذا كان يجب على المفاوضات أن توقف العمليات العسكرية.
الأهمية الاستراتيجية لمحافظة الأنبار
الأنبار هي أكبر محافظة في العراق من حيث المساحة الجغرافية، بسكان أغلبيتهم سنية. تقع على حدود سوريا والأردن والسعودية. صحراؤها الشاسعة تشهد عمليات جارية من قبل الحشد الشعبي ضد خلايا متبقية من تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تم هزيمته عام 2017 لكنه يستمر في عمليات منخفضة المستوى.
التحديات الأمنية في الأنبار
تواجه المحافظة تهديدات أمنية متعددة تشمل خلايا داعش المتبقية والأنشطة الإجرامية والنزاعات القبلية، مما يجعل من الصعب على الحكومة العراقية الحفاظ على السيطرة ومنع القوى الأجنبية من العمل هناك.
Conclusion:
تُظهر الهجمات على كل من الحشد الشعبي والبيشمركة في العراق، المنسوبة إلى الولايات المتحدة وإيران على التوالي، كيف أصبح العراق ساحة صراع ثانوية في الصراع الأوسع بالشرق الأوسط. تعكس محاولات الحكومة العراقية الموازنة بين القوتين من خلال الاحتجاجات الدبلوماسية، بينما تفوض في نفس الوقت الحشد الشعبي بحق الدفاع عن النفس، الموقف المستحيل لدولة ضعيفة محاطة بقوى إقليمية أكبر. يشير التفويض للحشد الشعبي بحق الدفاع عن النفس إلى زيادة الحزم العراقي ردة فعل على العمليات العسكرية الأجنبية على أراضيه، مما قد يؤدي إلى مواجهات أكثر مباشرة بين القوات الأمريكية والموالية لإيران داخل العراق.






