انطلقت هذا الأسبوع محاكمة إدمان وسائل التواصل في محكمة لوس أنجلوس، في سابقة قانونية تُجبر شركتي ميتا وغوغل على مواجهة هيئة محلفين أميركية بتهم تتعلق بإلحاق أضرار نفسية بالأطفال.
وتتمحور القضية حول اتهامات بأن منصتي إنستغرام ويوتيوب صُممتا عمداً لجذب انتباه الأطفال وإبقائهم متصلين لأطول فترة ممكنة، ما أدى إلى سلوكيات إدمانية وتدهور في الصحة النفسية.
وتحظى هذه المحاكمة بمتابعة واسعة، إذ يُتوقع أن يؤثر حكمها على مئات الدعاوى المشابهة المرفوعة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
اتهامات بتصميم الإدمان عمداً
قال محامو المدعين في مرافعاتهم الافتتاحية إن ميتا وغوغل تعمدتا استغلال قابلية أدمغة الأطفال للتأثر من أجل زيادة التفاعل والأرباح.
وأوضح محامي المدعين مارك لانيير أمام هيئة المحلفين أن القضية تتعلق بشركتين من الأغنى في التاريخ قامتا، بحسب وصفه، بهندسة الإدمان في أدمغة الأطفال.
وأضاف أن الشركتين لم تكتفيا بتطوير تطبيقات، بل أنشأتا ما وصفه بفخاخ رقمية، مشيراً إلى أن الخوارزميات وميزات التخصيص صُممت لدفع المستخدمين الصغار إلى الاستهلاك المتواصل للمحتوى.
وتستند الدعوى إلى حالة شابة تبلغ من العمر 20 عاماً، يُشار إليها بالحروف الأولى كالاي جي. إم، وتقول إنها تعرضت لأذى نفسي شديد بعد أن أصبحت مدمنة على وسائل التواصل منذ طفولتها، حيث بدأت استخدام يوتيوب في سن السادسة ثم أمضت ساعات طويلة لاحقاً على إنستغرام.
قضية استرشادية بتأثير وطني
تُصنف هذه القضية على أنها محاكمة استرشادية، أي أن نتيجتها قد تحدد مسار قضايا مماثلة ومستويات التعويض المحتملة في دعاوى أخرى عبر البلاد.
وتواجه شركات التواصل الاجتماعي مئات القضايا التي تتهمها بالتسبب في الاكتئاب واضطرابات الأكل والدخول إلى المصحات النفسية، بل وحتى حالات انتحار بين المستخدمين اليافعين.
ويقارن محامو المدعين هذه الدعاوى بالمعارك القانونية التي واجهتها شركات التبغ في تسعينيات القرن الماضي، عندما اتُهمت ببيع منتجات تعرف أنها ضارة ومسببة للإدمان.
دفاع ميتا ويوتيوب يرفض الاتهامات
من جانبها، رفضت ميتا تحميل إنستغرام مسؤولية الأضرار التي لحقت بالمدعية. وقال محامي الشركة بول شميت إن الأدلة ستظهر أن مشكلات عائلية وتنمراً في الواقع كانا السبب الرئيسي لتدهور صحتها النفسية، وليس استخدام المنصة.
وأشار شميت إلى أن السجلات الطبية المقدمة للمحكمة لا تتضمن تشخيصاً بإدمان إنستغرام، متسائلاً عما إذا كان إبعاد المنصة سيغير مسار حياتها فعلياً.
وأكدت ميتا أنها عززت في السنوات الأخيرة إجراءات حماية القاصرين، وقالت إنها تعمل باستمرار على تحسين هذه الضمانات، مع تأكيدها أنها تختلف بشدة مع الادعاءات المطروحة.
بدوره، نفى يوتيوب التهم الموجهة إليه. وقال المتحدث باسم المنصة خوسيه كاستانيدا إن المزاعم الواردة في الدعاوى غير صحيحة. ومن المقرر أن يقدم محامو يوتيوب مرافعاتهم الافتتاحية أمام هيئة المحلفين.
التركيز على الخوارزميات لا المحتوى
تتمحور محاكمة إدمان وسائل التواصل حول ما إذا كانت الشركات مسؤولة قانونياً عن تصميم منصاتها، وليس عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون.
وتستند شركات التكنولوجيا عادة إلى المادة 230 من قانون آداب الاتصالات الأميركي، التي تمنحها حصانة من المسؤولية عن محتوى المستخدمين. غير أن المدعين يجادلون بأن هذه الحماية لا تشمل نماذج الأعمال والخوارزميات التي تعزز التفاعل بشكل قد يضر بالصحة النفسية.
ومن المتوقع أن يدلي خبراء بشهادات تفيد بأن أدمغة الأطفال غير مكتملة النمو، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بآليات التوصية والتعزيز الرقمي.
اختيار هيئة المحلفين يكشف انقساماً عاماً
سبقت المحاكمة عملية اختيار هيئة محلفين استمرت أياماً، وشهدت نقاشات حادة حول ميتا ومؤسسها مارك زوكربيرغ.
وأعرب بعض المرشحين لعضوية الهيئة عن مواقف سلبية تجاه الشركة بسبب فضائح سابقة تتعلق بالخصوصية وبدايات فيسبوك المثيرة للجدل، فيما سعى محامو ميتا لاستبعاد من اعتبروهم متحيزين.
في المقابل، حاول محامو المدعين استبعاد أشخاص يرون أن مسؤولية مشاكل الشباب النفسية تقع بالدرجة الأولى على الأسرة لا على تصميم المنصات.
كما شدد محامو شركة ألفابت على أن يوتيوب كيان مختلف عن ميتا، رغم أن بعض أعضاء الهيئة أعربوا عن قلقهم من خصائص الفيديوهات القصيرة التي تشجع على الاستخدام المطول.
تسويات وقضايا موازية
كانت منصتا تيك توك وسناب شات مدرجتين كمدعى عليهما في القضية، لكنهما توصلتا إلى تسويات قبل بدء المحاكمة، من دون الكشف عن تفاصيلها.
وفي الوقت نفسه، تتقدم قضايا مماثلة في محاكم فيدرالية ومحلية في أنحاء الولايات المتحدة، كما بدأت هذا الأسبوع في ولاية نيو مكسيكو دعوى منفصلة تتهم ميتا بتقديم الأرباح على سلامة المستخدمين اليافعين.
Conclusion:
مع بدء الاستماع إلى الشهادات، ومن المتوقع مثول كبار التنفيذيين ومنهم مارك زوكربيرغ، تمثل محاكمة إدمان وسائل التواصل اختباراً حاسماً لمسؤولية شركات التكنولوجيا عن تأثير منصاتها على الأطفال، وقد تعيد رسم المشهد القانوني لقطاع التواصل الاجتماعي.






