اتخذت روسيا موقفاً دبلوماسياً حاداً الأحد عندما دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الولايات المتحدة إلى “التخلي عن لغة توجيه الإنذارات” والعودة إلى مسار المفاوضات الدبلوماسية من أجل تسهيل حل للأزمة الإيرانية. جاء النداء الروسي بعيد توعدات ترامب الحادة بقصف البنية التحتية الحيوية الإيرانية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز. في تحرك متزامن، أعلنت الصين استعدادها للعمل مع روسيا على “خفض التصعيد” في المنطقة، مشيرة إلى تدهور متواصل في الوضع الأمني الإقليمي.
يعكس الموقف الروسي والصيني اهتماماً متزايداً من القوى الكبرى بمحاولة كبح جماح صراع يتسع بسرعة ويهدد بتداعيات اقتصادية وأمنية عالمية. غير أن ضعف تأثير موسكو وبكين على السياسة الأميركية يلقي بظلال من الشك على فاعلية هذه الدعوات الدبلوماسية.
موقف روسيا الدبلوماسي الحاد
خلال مكالمة هاتفية أجراها لافروف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أعرب الجانب الروسي عن “أمله بنجاح الجهود التي يبذلها عدد معين من الدول لنزع فتيل التوترات حول إيران.” أضافت الخارجية الروسية في بيان رسمي: “الأمر الذي يسهله تخلي الولايات المتحدة عن لغة توجيه الإنذارات والعودة إلى مسار المفاوضات.”
يمثل هذا النداء انتقاداً مباشراً لاستراتيجية الضغط العسكري التي تنتهجها إدارة ترامب، التي تجمع بين التهديدات المستمرة والضربات الفعلية. ترى موسكو أن هذا النهج يفاقم الأزمة بدلاً من حلها.
المخاوف الروسية على محطة بوشهر والموظفين
أضافت روسيا بعداً شخصياً إلى موقفها بدعوتها واشنطن إلى وقف “الهجمات غير المبررة وغير القانونية على منشآت البنية التحتية المدنية”، محددة محطة بوشهر النووية الإيرانية حيث يعمل عدد من الخبراء والعاملين الروس.
بدأت موسكو السبت إجلاء 198 موظفاً من شركة روساتوم النووية من المحطة بعد تعرضها لضربة أميركية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عنصر حماية واحد. يعكس الإجلاء المستعجل القلق الروسي الحقيقي على أمان موظفيها في منطقة الاستهداف المتزايد.
دعوة صينية للتعاون الروسي على خفض التصعيد
في خطوة متزامنة تعكس توافقاً متزايداً بين الدول الكبرى غير الغربية، أعرب وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره الروسي لافروف عن استعداد بكين للعمل مع موسكو من أجل “خفض التصعيد” في الحرب بالشرق الأوسط.
نقلت وكالة الأنباء الصينية الرسمية (شينخوا) أن وانغ أبلغ لافروف، خلال اتصال هاتفي جرى بناء على طلب الأخير، بأن “على الصين وروسيا التمسك بالإنصاف في القضايا المبدئية الكبرى.”
يشير هذا التنسيق إلى محاولة تشكيل جبهة دولية ضد السياسة الأميركية الصارمة، لكن البيان الصيني يفتقر إلى آليات محددة لتحقيق أهداف “خفض التصعيد.”
التدهور المستمر للوضع والقلق الصيني
قال وانغ يي، بحسب وكالة شينخوا، إن “الوضع في الشرق الأوسط لا يزال يتدهور والقتال يتصاعد”، مجدداً دعوة الصين إلى “وقف فوري لإطلاق النار” في الحرب التي اندلعت عقب الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
يعكس هذا التقييم القلق الصيني من أن الصراع قد يتجاوز حدود الدول الثلاث المباشرة ويشمل دول الخليج والدول الإقليمية الأخرى، مما قد يؤثر سلباً على المصالح الاقتصادية الصينية الضخمة في المنطقة.
التنسيق الروسي الصيني في مجلس الأمن الدولي
أعلن وانغ يي عن استعداد الصين “لمواصلة التعاون مع روسيا في مجلس الأمن الدولي، والتواصل بشكل وثيق بشأن القضايا الكبرى، وبذل جهود لخفض التصعيد والحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين والأمن العالمي.”
يشير هذا إلى احتمالية تقديم روسيا والصين لقرار مشترك في مجلس الأمن يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، لكن من غير المرجح أن يمر مثل هذا القرار أمام الفيتو الأميركي الأكيد.
العلاقات الروسية الصينية وتعزيزها
تربط بكين وموسكو علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة، ازدادت قوتها بشكل ملحوظ منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022. يعكس التنسيق الحالي استمرار التحالف الإستراتيجي بين الدولتين في مواجهة ما تراه كل منهما كهيمنة غربية.
غير أن الاختلافات في الأولويات الجيوسياسية قد تحد من فاعلية هذا التنسيق. الصين لديها مصالح اقتصادية ضخمة في الحفاظ على استقرار خطوط الملاحة في الخليج، بينما روسيا قد تستفيد من إضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة.
الدعوات الدبلوماسية مقابل الواقع العسكري
يبدو أن الدعوات الروسية والصينية للعودة إلى المفاوضات تصطدم بجدار من الواقع العسكري والسياسي الأميركي الصارم. ترامب لم يُظهر أي مؤشرات على تراجع عن موقفه الصارم، بل يزيد من شدة التهديدات كل يوم.
قال ترامب الأحد إنه سيقصف البنية التحتية الإيرانية يوم الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز. هذا التسلسل الزمني الضيق والتهديدات المحددة يترك مجالاً ضيقاً جداً للمفاوضات الدبلوماسية التي تدعو إليها روسيا والصين.
محدودية التأثير الدبلوماسي الروسي والصيني
رغم أن روسيا والصين قوتان عظمى، فإن تأثيرهما على السياسة الأميركية محدود جداً خاصة في مجال الشرق الأوسط. لا تملك موسكو أو بكين الرافعات الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لإجبار واشنطن على تغيير مسارها.
علاوة على ذلك، فإن موقف موسكو يُضعَّف بسبب موقفها الحالي في أوكرانيا وعزلتها الدولية النسبية. الصين تفضل عموماً البقاء على الهامش في مثل هذه الأزمات، لا سيما عندما تكون الولايات المتحدة طرفاً مباشراً فيها.
فرص ضائعة للتوسط الدولي
كان يمكن لموسكو والصين أن تلعبا دوراً أكبر في الوساطة بين واشنطن وطهران لو كانت العلاقات بينهما أفضل حالاً. غير أن السياسة الأميركية الحالية تجاه روسيا والصين تجعل من الصعب على أي من الطرفين الاستماع إلى نداءات الوساطة من جانبهما.
استثمرت موسكو بعض جهودها في الاتصال بإيران مباشرة، محاولة تأثيراً مباشراً على سلوك طهران. لكن هذه الجهود تبدو محدودة جداً مقارنة بمستوى التصعيد الذي تشهده المنطقة.
الأبعاد الاقتصادية لدعوة الدبلوماسية الروسية
قد تكون وراء الدعوة الروسية للعودة إلى المفاوضات حسابات اقتصادية حقيقية. إغلاق مضيق هرمز سيؤثر على أسعار النفط العالمية، وهو أمر قد يؤثر على الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة.
الصين، من جانبها، لديها مصالح اقتصادية ضخمة في منطقة الخليج وآسيا الوسطى. أي اضطراب في الملاحة البحرية أو تدهور في الاستقرار الإقليمي قد يؤثر مباشرة على مشاريع “الحزام والطريق” الصينية الضخمة.
الضغط الاقتصادي العالمي
يضاف إلى الضغوط الدبلوماسية الروسية والصينية ضغط اقتصادي عالمي حقيقي. ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، وأسعار الغاز الطبيعي في ارتفاع مستمر. هذا قد يخلق ضغطاً داخلياً على الحكومات العالمية لإيجاد حل سريع للأزمة.
غير أن ترامب يبدو أنه يستخدم هذا الضغط الاقتصادي كأداة إضافية لفرض إرادته على الأطراف الأخرى، بدلاً من الاستجابة له.
Conclusion:
تعكس الدعوات الروسية والصينية رغبة حقيقية من القوى الكبرى بخفض التصعيد في الشرق الأوسط، لكن غياب آليات قسرية فعالة وتراجع نفوذ موسكو وبكين على السياسة الأميركية يجعل من هذه الدعوات أقل من فعالة. ما يحدث هو أن القوى الدولية تشاهد تطورات الأزمة بعجز، بينما تحاول الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية. المؤشرات الحالية تشير إلى أن التصعيد سيستمر في الأيام القادمة، مع أن روسيا والصين وغيرهما تدعو للحوار والتسوية.






