شهدت قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند، المنعقدة في نيودلهي، مشاركة قادة دول ومسؤولين أمميين ورؤساء كبرى شركات التكنولوجيا، لبحث التداعيات المتسارعة لتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والمجتمع والأمن العالمي.
القمة، وهي الرابعة ضمن سلسلة اجتماعات دولية حول الحوسبة المتقدمة، ركزت على قضايا تنظيم التكنولوجيا، ومخاطر فقدان الوظائف، والضغط المتزايد على موارد الطاقة، إضافة إلى التحذير من احتكار هذه التقنيات من قبل عدد محدود من الدول والشركات.
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي استغل الحدث للتأكيد على طموح بلاده في أن تصبح مركزا عالميا للذكاء الاصطناعي، فيما شدد قادة آخرون على ضرورة وضع أطر رقابية واضحة تضمن الاستخدام المسؤول والعادل للتكنولوجيا.
مطالب بإشراف دولي وتنظيم عاجل
تصاعدت خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند الدعوات إلى إنشاء آلية دولية تنظم استخدام هذه التكنولوجيا، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان قال إن العالم “بحاجة ملحة” إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي، مقترحا إنشاء هيئة دولية للتنسيق والاستجابة السريعة للتطورات المتسارعة. وحذر من أن نماذج بيولوجية متقدمة مفتوحة المصدر قد تُستخدم في تطوير مسببات أمراض خطيرة إذا لم تخضع لرقابة.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شدد على أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُترك “لأهواء عدد قليل من المليارديرات” أو لدول محدودة. ودعا إلى إنشاء صندوق عالمي بقيمة 3 مليارات دولار لدعم قدرات الدول النامية وضمان وصول أوسع إلى التكنولوجيا.
وقال غوتيريش إن غياب الاستثمار سيؤدي إلى “تسجيل خروج” دول عديدة من عصر الذكاء الاصطناعي، ما يفاقم الفجوة العالمية.
من جانبه، أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الذي أُقر عام 2024، ويمنح الجهات التنظيمية صلاحية حظر الأنظمة التي تشكل “مخاطر غير مقبولة”، مثل التعرف الفوري على الوجوه في الأماكن العامة.
مخاوف من فقدان الوظائف واضطراب سوق العمل
شكلت مسألة الوظائف أحد أبرز محاور النقاش، خاصة في دول تعتمد على قطاعات الخدمات والدعم التقني.
الهند توظف ملايين العاملين في مراكز الاتصال وخدمات التكنولوجيا، وهي قطاعات يُتوقع أن تتأثر بالأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي.
داريو أمودي، رئيس شركة Anthropic، كان قد حذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إلغاء ما يصل إلى نصف الوظائف المكتبية للمبتدئين. كما قال الباحث في علوم الحاسوب ستيوارت راسل لوكالة فرانس برس إن هذه الأنظمة صُممت لمحاكاة البشر، ما يجعل استبدالهم أحد الاستخدامات المحتملة.
في المقابل، أكد رجال أعمال هنود أن التكنولوجيا ستخلق وظائف جديدة عالية المهارة. وقال موكيش أمباني، رئيس مجموعة ريلاينس، إن الذكاء الاصطناعي لن يسلب الوظائف بل سيفتح مجالات عمل جديدة.
ومن أبرز المخاوف المطروحة:
• أتمتة وظائف خدمة العملاء والدعم الإداري
• تراجع فرص التوظيف للمبتدئين في الأعمال المكتبية
• الحاجة إلى برامج واسعة لإعادة التأهيل والتدريب الرقمي
• اتساع فجوة الدخل بين المهارات العالية والمنخفضة
استهلاك الطاقة وضغط البنية التحتية
توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
أعلنت OpenAI بالتعاون مع شركة Tata Consultancy Services الهندية خططا لتوسيع قدرات مراكز البيانات فائقة الحجم في الهند. كما كشفت Google عن مشاريع كابلات بحرية ضمن استثمار بقيمة 15 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، استحوذت مراكز البيانات على نحو 1.5 بالمئة من استهلاك الكهرباء العالمي عام 2024، مع توقع تضاعف الرقم بحلول 2030 بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي.
القضايا البيئية المثارة تشمل:
• ارتفاع استهلاك الكهرباء
• زيادة الانبعاثات الكربونية في حال الاعتماد على الوقود الأحفوري
• الاستهلاك المكثف للمياه لتبريد الخوادم
• الضغط على المجتمعات المحلية خلال فترات الذروة
غوتيريش دعا إلى تشغيل مراكز البيانات بالطاقة النظيفة، محذرا من تحميل المجتمعات الضعيفة كلفة التحول الرقمي.
إساءة الاستخدام والمخاطر المتقدمة
تطرقت المناقشات أيضا إلى إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إنتاج صور مزيفة ذات طابع جنسي وانتحال الهوية في عمليات احتيال إلكتروني متطورة.
كما رُفعت دعاوى قضائية في الولايات المتحدة من عائلات أشخاص أقدموا على الانتحار، زاعمين أن تفاعلات مع روبوتات محادثة ساهمت في ذلك، بينما أكدت الشركات أنها عززت إجراءات الحماية.
وحذرت شركة Anthropic من أن نماذجها الأحدث قد تُوجّه، في ظروف معينة، لدعم أنشطة إجرامية خطيرة مثل أبحاث تتعلق بأسلحة كيميائية.
عدد من الباحثين أشاروا كذلك إلى مخاوف أوسع تتعلق بالوصول إلى ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام، حيث توازي قدرات الآلة قدرات الإنسان أو تتفوق عليها، وهو ما يستدعي تنسيقا دوليا صارما.
Conclusion:
من المنتظر أن يصدر المشاركون في القمة بيانا ختاميا يحدد الخطوط العريضة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي مستقبلا. وبينما تؤكد بعض الدول أن التكنولوجيا تمثل فرصة للنمو والابتكار، تبرز في المقابل مخاوف جدية تتعلق بسوق العمل والبيئة واحتكار النفوذ الرقمي.
بالنسبة لدول المنطقة، ومنها العراق، فإن مسألة الوصول العادل إلى التكنولوجيا وتطوير المهارات الرقمية ستكون عنصرا أساسيا في مواكبة التحولات العالمية المتسارعة.






