عاد ملف ضم الضفة الغربية إلى الواجهة بعد تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش دعا فيها إلى تشجيع “هجرة” الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، بالتزامن مع إقرار الحكومة الإسرائيلية إجراءات جديدة لتعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
التصريحات والخطوات الأخيرة أثارت موجة إدانة دولية واسعة، حيث أصدرت بعثات 85 دولة في الأمم المتحدة بياناً مشتركاً يرفض ما وصفته بإجراءات أحادية تهدف إلى تكريس الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وتوترات قائمة في غزة رغم سريان وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر الماضي.
سموتريتش يدعو لإلغاء أوسلو وفرض السيادة
خلال فعالية حزبية قرب رام الله نظمها حزب “الصهيونية الدينية”، قال سموتريتش إن حكومته ستعمل على “إلغاء اتفاق أوسلو عملياً ورسمياً”، تمهيداً لفرض السيادة الإسرائيلية على ما يسميه الإسرائيليون “يهودا والسامرة”، وهو الاسم التوراتي للضفة الغربية.
وأضاف أنه “لا يوجد حل طويل الأمد آخر” سوى توسيع السيادة الإسرائيلية وتشجيع هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة. وتأتي هذه التصريحات ضمن حملة انتخابية تحت عنوان “الاستيطان 2030”، قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة لاحقاً هذا العام.
اتفاق أوسلو الموقع في تسعينيات القرن الماضي قسّم الضفة الغربية إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”، على أن تشكل أساساً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عبر مفاوضات نهائية.
إجراءات جديدة لتعزيز السيطرة وتوسيع الاستيطان
أقر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي سلسلة خطوات يعتبرها منتقدون تمهيداً لضم الضفة الغربية فعلياً، من أبرزها:
إطلاق عملية تسجيل أراضٍ في الضفة الغربية باعتبارها “أراضي دولة”
السماح للإسرائيليين بشراء الأراضي مباشرة في الضفة، بعد إلغاء قيود قانونية استمرت عقوداً
توسيع إجراءات التخطيط والبناء في مناطق تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية
وكان شراء الأراضي يتم سابقاً عبر شركات وسيطة. ويقول سموتريتش إن التعديلات ستسمح لليهود بشراء أراضٍ في الضفة “كما يشترون في تل أبيب أو القدس”.
كما حذرت منظمات إسرائيلية من خطة لتوسيع حدود بلدية القدس باتجاه أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تعد الأولى من نوعها منذ عام 1967.
وبحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية، وافقت الحكومة الحالية على إقامة 54 مستوطنة جديدة خلال عام 2025، وهو رقم قياسي. ويقيم أكثر من 500 ألف إسرائيلي في مستوطنات وبؤر استيطانية في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل. ويعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967. وتعتبر المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي.
إدانة 85 دولة في الأمم المتحدة لخطوات الضم
أصدرت بعثات 85 دولة عضو في الأمم المتحدة بياناً مشتركاً أدانت فيه الإجراءات الإسرائيلية، مؤكدة رفضها “أي شكل من أشكال الضم”. ووقعت على البيان دول بينها السعودية والصين وروسيا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
وجاء في البيان أن القرارات الإسرائيلية أحادية الجانب تتعارض مع التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي، داعياً إلى التراجع الفوري عن سياسة تسجيل الأراضي.
كما وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذه الإجراءات بأنها “مزعزعة للاستقرار” و”غير قانونية”، مطالباً بوقف تنفيذها.
وأكد البيان أن تغيير التركيبة الديموغرافية وطابع ووضع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، يقوض فرص التوصل إلى تسوية سلمية.
من جهته، اعتبر رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح أن الإدانة الواسعة تعكس “تحولاً في موقف المجتمع الدولي” تجاه مسؤولياته القانونية والأخلاقية، متهماً إسرائيل بمواصلة سياسات الضم والتوسع الاستيطاني.
مقتل جندي إسرائيلي في غزة بنيران صديقة
في سياق منفصل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الرقيب أول عوفري يافه، البالغ 21 عاماً، الذي قُتل في جنوب قطاع غزة، توفي نتيجة نيران صديقة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في وقت سابق أن الجندي قُتل خلال القتال. وبحسب مكتب نتنياهو، فإن الحادث وقع خلال تبادل إطلاق نار داخل القطاع.
وبذلك يرتفع عدد الجنود الإسرائيليين الذين قُتلوا في غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر إلى خمسة، وفق الأرقام الرسمية الإسرائيلية.
جدل أوروبي حول مقررة أممية لحقوق الفلسطينيين
في تطور دبلوماسي آخر، دعا أكثر من 150 دبلوماسياً وبرلمانياً أوروبياً سابقاً وزير الخارجية الفرنسي إلى التراجع عن تصريحات طالب فيها باستقالة المقررة الأممية الخاصة المعنية بحقوق الفلسطينيين فرانشيسكا ألبانيزي.
وكانت فرنسا وألمانيا قد دعتا ألبانيزي إلى التنحي بعد تصريحات انتقدت فيها ما وصفته بدعم دولي لإسرائيل في حربها على غزة.
وقال الموقعون على الرسالة إن الجدل لا يجب أن يصرف الانتباه عن أوضاع المدنيين والأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
Conclusion:
تضع التطورات الأخيرة ملف ضم الضفة الغربية في صدارة المشهد الإقليمي والدولي، وسط تسارع الاستيطان وتصاعد الانتقادات الأممية. ومع استمرار الانقسام السياسي وتراجع فرص إحياء مسار أوسلو، يبقى مستقبل التسوية موضع تساؤل في ظل الوقائع الجديدة على الأرض.






