تبقى صناعة التعدين في غرينلاند محدودة من حيث الإنتاج الفعلي، رغم تصاعد الاهتمام الدولي بالجزيرة القطبية الغنية بالموارد. وبينما تتزايد أهمية المعادن النادرة في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لا يعمل حالياً سوى منجمين فقط في الإقليم التابع للدنمارك ذاتياً.
وقد عاد ملف الموارد الطبيعية إلى الواجهة بعد أن عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في توسيع نفوذ بلاده في غرينلاند، مشيراً إلى اعتبارات أمنية واستراتيجية. غير أن الظروف المناخية القاسية وضعف البنية التحتية يفرضان قيوداً كبيرة على تطوير القطاع.
وتتمتع غرينلاند، التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، بالسيطرة على مواردها الطبيعية منذ عام 2009. وتعتمد الحكومة المحلية بشكل كبير على الدعم المالي الدنماركي، وتأمل في أن يساهم التعدين مستقبلاً في تعزيز الاستقلال الاقتصادي.
واقع صناعة التعدين في غرينلاند
بحسب بيانات هيئة الموارد المعدنية في غرينلاند التي راجعتها وكالة فرانس برس، يوجد حالياً منجمان فقط في مرحلة الإنتاج التجاري:
منجم ذهب في جنوب الجزيرة تديره شركة “أماروك” المدرجة في كندا.
منجم أنورثوسايت على الساحل الغربي تديره شركة “لومينا سستينابل ماتيريالز” بدعم مستثمرين كنديين وسويسريين.
ويُستخدم صخر الأنورثوسايت في مواد البناء والصناعات المختلفة، ويحتوي على عناصر مرتبطة بالتيتانيوم.
وحتى 13 فبراير، بلغ عدد تراخيص التعدين النشطة 138 ترخيصاً مملوكة لـ63 شركة وفرداً. إلا أن تسعة تراخيص فقط تُصنّف كتراخيص استغلال تسمح بالإنتاج الفعلي، فيما يشكل الباقي تراخيص استكشاف.
وقال متحدث باسم هيئة الموارد المعدنية لوكالة فرانس برس إن الانتقال من الاستكشاف إلى الاستغلال “عملية طويلة ومعقدة بطبيعتها”، وقد تستغرق سنوات عديدة. وأضاف أن المشاريع قد تتوقف بسبب نقص الموارد القابلة للاستخراج، أو عدم الجدوى الاقتصادية، أو متطلبات التقييم البيئي والاجتماعي.
المعادن النادرة والمواد الحيوية
تحظى المعادن النادرة باهتمام خاص نظراً لدورها في تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية.
وتملك شركة “كريتيكال ميتالز كورب” الأميركية الترخيص الوحيد النشط لاستغلال المعادن النادرة في موقع “كالاليت نونات”، إلا أن المشروع لا يزال بعيداً عن مرحلة التشغيل الفعلي.
كما حصلت شركة “غرين روك مايننغ” البريطانية في ديسمبر 2025 على ترخيص لاستغلال رواسب الغرافيت، ومن المتوقع أن تنتج نحو 80 ألف طن سنوياً من مركزات الغرافيت ابتداءً من عام 2029، وفقاً لمتحدث باسم الشركة.
ويُظهر تحليل بيانات التراخيص أن:
الذهب مذكور في 49 ترخيصاً
النحاس في 36 ترخيصاً
النيكل في 24 ترخيصاً
العناصر الأرضية النادرة في 17 ترخيصاً
ووفقاً للمسح الجيولوجي للدنمارك وغرينلاند، تحتوي الجزيرة على 24 من أصل 34 مادة خام حرجة حددها الاتحاد الأوروبي كمواد أساسية للتحول الأخضر والرقمي. لكنه شدد على أن عدداً محدوداً فقط من هذه الموارد جرى تقييمه بشكل كافٍ لتصنيفه كاحتياطي مؤكد.
وقال نائب وزير الموارد المعدنية يورغن تي هامكن-هولم إن تقديرات حجم بعض الرواسب “أقرب إلى التخمين”، مؤكداً أن الصورة الكاملة لا تزال غير واضحة.
تحديات المناخ والبنية التحتية
يغطي الجليد نحو 80 بالمئة من مساحة غرينلاند، ويصل سمكه في بعض المناطق الداخلية إلى ثلاثة كيلومترات. لذلك تتركز أنشطة التعدين على السواحل، خصوصاً في منطقتي سيرميرسوق وكوجاليك جنوباً، حيث المناخ أقل قسوة.
ولا توجد شبكة طرق تربط بين المدن، ما يزيد من صعوبة نقل المعدات والمواد الخام ويرفع الكلفة التشغيلية. كما أن التعدين تحت الغطاء الجليدي الكثيف غير ممكن حالياً، ما يترك مساحات واسعة من الجزيرة دون استكشاف.
وتملك شركة “وايت فليم إنرجي” البريطانية ثلاثة تراخيص لاستكشاف النفط سارية حتى أواخر عام 2028. وكان المسح الجيولوجي الأميركي قد قدّر احتواء غرينلاند على أكثر من 31 مليار برميل مكافئ من النفط والغاز الطبيعي.
إعداد جيل جديد لقطاع التعدين
في مدينة سيسيميوت، تعمل مدرسة غرينلاند للمعادن والبترول على تدريب طلاب في تشغيل المعدات الثقيلة، إضافة إلى تدريس مبادئ الجيولوجيا والرياضيات واللغة الإنجليزية.
تأسست المدرسة عام 2008، وتقدم برنامجاً مهنياً لمدة ثلاث سنوات. وتتكفل الحكومة بدفع الرسوم الدراسية، إضافة إلى منحة شهرية تقارب خمسة آلاف كرونة دنماركية لكل طالب.
ويقول مسؤولون إن غرينلاند اعتمدت تاريخياً على عمالة أجنبية بسبب نقص الخبرات المحلية، لا سيما في مجالات المعالجة التقنية والهندسة. وتأمل السلطات في أن يسهم تطوير المهارات المحلية في دعم أي توسع مستقبلي للقطاع.
محادثات أميركية دنماركية حول غرينلاند
أصبحت صناعة التعدين في غرينلاند جزءاً من نقاش أوسع حول الأمن في القطب الشمالي.
فعلى هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، عقد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اجتماعاً مع رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، وفق ما أفاد مسؤولون دنماركيون.
ووصفت فريدريكسن المحادثات بأنها بناءة، مؤكدة استمرار العمل ضمن مجموعة عمل رفيعة المستوى لبحث المخاوف الأمنية الأميركية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد دعا إلى تعزيز النفوذ الأميركي في غرينلاند لأسباب استراتيجية. كما أُنشئت مجموعة عمل مشتركة بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند لمناقشة هذه القضايا، دون الكشف عن تفاصيل اجتماعاتها.
خلاصة
رغم الاهتمام الدولي المتزايد، لا تزال صناعة التعدين في غرينلاند في مرحلة مبكرة من التطوير. فعدد المناجم المنتجة محدود، والبنية التحتية ضعيفة، وحجم العديد من الرواسب لم يُحسم بعد بشكل نهائي.
ويبقى مستقبل القطاع مرتبطاً بتأكيد الاحتياطيات، وتوفير الاستثمارات، واستقرار العلاقات السياسية بين غرينلاند والدنمارك والشركاء الدوليين.






