أعلن حزب الله السبت 21 مارس أنه يخوض اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية في بلدتين حدوديتين جنوب لبنان—إحداهما ساحلية والأخرى داخلية—في إطار الحرب التي بدأت منذ ثلاثة أسابيع تقريباً. جاء الإعلان بعد أسابيع من المواجهات المتزايدة في جنوب البلاد وسط غارات إسرائيلية مكثفة على بيروت والمناطق الجنوبية.
قال الحزب في بيان رسمي إن مقاتليه يخوضون “منذ أربع ساعات اشتباكات مباشرة مع قوات جيش العدو الإسرائيلي في مدينة الخيام بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية.” أفاد الحزب أيضاً عن اشتباكات في بلدة الناقورة الساحلية حيث “حاولت قوة إسرائيلية التوغل باتجاه مبنى البلدية” لكن مقاتلو الحزب “حققوا إصابات مباشرة” ضد هذه القوات.
يأتي الإعلان وسط غارات إسرائيلية جديدة على بيروت قتلت عشرات الأشخاص، وتجاوز عدد الضحايا الإجمالي ألف قتيل منذ بدء الحرب، بينهم 118 طفلاً على الأقل. الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة يعمل بلا توقف في مستشفى بيروت لإنقاذ أطفال “مزقت الغارات الإسرائيلية أجسادهم الصغيرة.”
جبهات المواجهة: الخيام والناقورة في قلب الصراع
معارك الخيام: نقطة محورية في الصراع البري
أعلن حزب الله عن اشتباكات مستمرة في بلدة الخيام، وهي بلدة حدودية استراتيجية تقع على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الإسرائيلية. تمثل الخيام “نقطة استراتيجية” بسبب موقعها الجغرافي الذي يشرف على مساحات واسعة شمال نهر الليطاني.
كانت الخيام من أولى البلدات التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية بعد بدء الحرب مع حزب الله. استهدفتها إسرائيل بغارات جوية وقصف مدفعي مكثف. أعلن الحزب مراراً في الأيام الأخيرة عن استهداف قوات وآليات إسرائيلية في البلدة وخوض مواجهات فيها.
تبدو البلدة الآن بمثابة ساحة معركة رئيسية. المواجهات المستمرة تعكس أهميتها الاستراتيجية. من يسيطر على الخيام يسيطر على حركة القوات والتموين إلى مناطق جنوبية أخرى.
معارك الناقورة الساحلية: محاولة إسرائيلية للتوغل
أعلن الحزب عن اشتباكات في بلدة الناقورة الساحلية التي تقع في أقصى جنوب لبنان على بعد حوالي 50 كيلومتراً جنوب الخيام. قال الحزب إن “قوة إسرائيلية حاولت التوغل صباح السبت باتجاه مبنى بلدية بلدة الناقورة” لكن مقاتلي الحزب “اشتبكوا معهم بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وحققوا إصابات مباشرة.”
تضم الناقورة المقر الرئيسي لقوة الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، وهي قوة حفظ سلام دولية. هذا يعطي البلدة أهمية دولية إضافية. خلال الحرب السابقة مع حزب الله (2024)، احتفظت إسرائيل بقوات في قرية اللبونة على بعد أقل من 3 كيلومترات جنوب شرق الناقورة.
ساحات الحرب المتعددة: من جنوب لبنان إلى ضاحية بيروت
الغارات على ضاحية بيروت الجنوبية: معقل حزب الله
شنت إسرائيل فجر السبت غارتين على ضاحية بيروت الجنوبية بعد إنذار إخلاء للسكان. جاءت الغارات قبل ساعات من احتفال الطائفة الشيعية في لبنان بأول أيام عيد الفطر.
رصد مصور لوكالة فرانس برس في حارة حريك مبنى من أربع طبقات تضررت أجزاء كبيرة من طبقاته العليا جراء الغارة. أعقبت الإنذار إطلاقات نار كثيفة، حيث حاول السكان الذين عادوا إلى منازلهم الانتقال مرة أخرى من المنطقة.
أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أغار على “مقرات تابعة لحزب الله” قرب بيروت، في إشارة واضحة لاستهداف منشآت الحزب بشكل محدد. لكن الغارات تؤثر على السكان المدنيين الذين يعيشون في نفس المناطق.
العمليات البرية في جنوب لبنان: مقتل عناصر من الحزب
أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ “نشاطاً برياً محدداً” ليلاً في جنوب لبنان. قال المتحدث الإسرائيلي إن القوات الإسرائيلية “قضت على أحد الإرهابيين في اشتباك بري.”
كما استهدفت طائرة إسرائيلية “عدداً آخر” من مقاتلي الحزب “الذين أطلقوا النار باتجاه القوات الإسرائيلية.” أعقب ذلك “قصف من دبابة” أسفر عن “مقتل ثلاثة عناصر آخرين من الحزب.”
هذه الحصيلة تعكس حجم الاشتباكات البرية المستمرة. الطرفان يعلنان خسائر بعضهما البعض، مما يشير إلى معارك برية مكثفة وليس مجرد غارات جوية من بعيد.
الخسائر البشرية: الآلاف من الضحايا والجرحى
إحصائيات الضحايا المؤلمة
تجاوز عدد الضحايا منذ بدء الحرب قبل ثلاثة أسابيع عتبة ألف قتيل وفقاً للسلطات اللبنانية. بينهم 118 طفلاً على الأقل. أصيب 370 طفلاً آخر بجروح، وفق آخر إحصائيات وزارة الصحة اللبنانية.
هذه الأرقام تعكس:
مدى الدمار الواسع: حوالي ألف شخص قتلوا في ثلاثة أسابيع فقط
استهداف المدنيين: 118 طفلاً قتلوا و370 مصابين بجروح
معدل تصعيد سريع: الأرقام قد تتزايد يومياً
خسائر القطاع الصحي
أحصت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 40 عاملاً في القطاع الصحي وإصابة 119 آخرين بجروح. كما أدت الحرب إلى:
إغلاق خمسة مستشفيات: فقدان موارد طبية حيوية
فقدان أربعة مستشفيات في ضاحية بيروت الجنوبية: بينها وحدة عناية مركزة كبيرة للأطفال
استهداف سيارات الإسعاف: جعل نقل المرضى خطراً
الطبيب غسان أبو ستة: رحلة من غزة إلى بيروت في خدمة الجرحى
الحياة المهنية: تكريس لعلاج ضحايا الحروب
الدكتور غسان أبو ستة، طبيب فلسطيني بريطاني يبلغ من العمر 57 سنة، لم ينقطع عن معالجة جرحى الحروب منذ بداية مشواره الطبي. تعود تجربته الأولى إلى عام 1991 عندما شهد آثار دمار حرب الخليج الأولى كطالب في كلية الطب.
وُلد لأب فلسطيني لاجئ من غزة وأم لبنانية. هذا الأصل جعله يشعر بمسؤولية خاصة تجاه ضحايا الحروب في المنطقة. بعد تخرجه من بريطانيا، توجه إلى:
غزة خلال الانتفاضة الأولى (1987-1993)
جنوب لبنان بعد القصف الإسرائيلي عام 1996
العراق واليمن في حروب لاحقة
قطاع غزة بعد كل جولة قتال مع حماس
في عام 2023، نجا أبو ستة بأعجوبة من هجوم إسرائيلي على مستشفى في غزة. قضى 43 يوماً هناك بعد هجمات إسرائيلية انتقامية تلت هجوم حماس في 7 أكتوبر.
عمل يومي: إصلاح أجسام الأطفال المتضررة
في المركز الطبي للجامعة الأمريكية في بيروت، يعمل أبو ستة بلا توقف. وحدة العناية المركزة للأطفال تستقبل إصابات حرجة من جميع أنحاء البلاد. يقف الآباء واليتحت واقفين خارج غرف العمليات، يائسين يتضرعون من أجل حياة أطفالهم.
يصف أبو ستة بعض الحالات التي يعاينها:
طفلة في الحادية عشرة: أصيبت بشظية في البطن وتُبترت جزء من قدمها، لكن وضعها استقر الآن
ثلاث شقيقات: وصلن قبل أسبوعين بإصابات حرجة جداً، تحتاج إلى عمليات متكررة كل 48 ساعة
طفل في الرابعة: قُتل والداه وإخوته الثلاثة، وبُترت رجله، وأصيب برأسه
تقول أبو ستة: “الإصابات التي أراها يومياً: أطراف ممزقة، إصابات رأسية، شظايا في العيون والوجوه، كسور متفرقة، أنسجة متضررة. قد يكون كل ذلك لدى طفل واحد.”
التحدي النفسي والإنساني
يشير أبو ستة إلى التحدي الأكبر: “لا يمكن التأقلم أبداً مع معاناة الأطفال. لا ينبغي أبداً أن يصبح الطفل بلا هوية وأن يتحول مجرد رقم في حصيلة ضحايا.”
يقارن الطبيب الوضع في لبنان اليوم مع غزة: “لبنان الآن نسخة مصغرة من غزة.” رغم أن حصيلة القتلى أقل حالياً، فإن الأنماط متشابهة جداً.
الدعم طويل الأمد: “صندوق غسان أبو ستة للأطفال”
المشروع الإنساني الجديد
في عام 2024، أطلق الطبيب المقيم في بيروت “صندوق غسان أبو ستة للأطفال.” الصندوق يهدف إلى:
تقديم رعاية طبية لأطفال من غزة ولبنان
متابعة الرعاية حتى بعد خروج الأطفال من المستشفى
الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الناجين وأسرهم
التحديات بعد المستشفى
يرفع أبو ستة سؤالاً مهماً: “من سيتولى رعايتهم بعد أن يعودوا إلى منازلهم؟”
يوضح أن “كثيرين يأتون من أوساط فقيرة لا تتوافر لديهم سبل للتعامل مع كل ذلك.”
الأطفال يحتاجون إلى:
إعادة تأهيل جسدية: تمارين وفيزيوثيرابيا
دعم نفسي: للتعامل مع الصدمات
دعم اجتماعي واقتصادي: لأسر فقدت معيليها
تدمير العائلة بأكملها
يقول أبو ستة: “ليس الجسد وحده ما يُدمر، بل الأسرة بأكملها.” حالات مثل الطفل في الرابعة الذي فقد والديه وإخوته الثلاثة، يصبح يتيماً بلا عائلة.
هذا التدمير الاجتماعي قد يكون أخطر من الإصابات الجسدية. الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم يحتاجون إلى:
رعاية بديلة من أقارب أو مؤسسات
دعم نفسي مكثف للتعامل مع الفقد
فرص تعليم وعمل لاستعادة الاستقرار
السياق الأوسع: حرب شاملة على ثلاثة جبهات
البدايات والتصعيد
بدأت الحرب الحالية في 2 مارس (آذار) 2026، بعدما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربات أمريكية إسرائيلية. منذ ذلك الحين، ردت إسرائيل بشن غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغلت قواتها في الجنوب.
الحرب انتشرت على ثلاث جبهات:
جنوب لبنان: معارك برية واشتباكات مستمرة
بيروت وضاحيتها: غارات جوية على مقرات حزب الله والمناطق المأهولة بالسكان
الشرق الأوسط الأوسع: ضربات على إيران والعراق وسوريا
الضحايا الإنسانية المتزايدة
ألف قتيل في ثلاثة أسابيع يعني معدل 330 قتيل يومياً. هذا معدل مرتفع جداً يشير إلى:
حدة الصراع: معارك مكثفة وغارات عنيفة
استهداف المدنيين: بشكل مباشر أو غير مباشر
انهيار البنية التحتية: تعطيل الخدمات الطبية والأمنية
Conclusion:
إعلان حزب الله عن اشتباكات مباشرة في الخيام والناقورة يعكس تطوراً جديداً في الحرب. لم تعد الحرب مجرد غارات جوية من بعيد، بل معارك برية مباشرة على الأرض.
الخسائر البشرية تتزايد بسرعة. ألف قتيل في ثلاثة أسابيع. 118 طفلاً على الأقل. الأطباء مثل غسان أبو ستة يعملون بلا توقف لإنقاذ الأطفال وترميم أجسادهم المتضررة.
لكن الجسد ليس كل شيء. العائلات تنهار. الأطفال يفقدون والديهم وإخوتهم. ينجون من الغارات لكن يتوكتبون بدون عائلة.
السؤال الأساسي يبقى: كم من الوقت ستستمر هذه الحرب؟ وما الثمن الإنساني الذي ستدفعه المنطقة؟
الواقع يشير إلى أن هذه حرب بدأت قبل ثلاثة أسابيع فقط، لكنها قد تستمر لفترة أطول بكثير. والضحايا—خاصة الأطفال—سيدفعون الثمن الأعلى.






