طالبت الأمم المتحدة الجمعة بإجراء تحقيقات سريعة وشفافة في الغارات الإسرائيلية المميتة على لبنان وإيران لتحديد توافقها مع القانون الدولي الإنساني. جاءت الدعوات في اليوم السادس من الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران وحلفائها الإقليميين، حيث تصاعد العنف وتوسعت نطاق العمليات العسكرية.
حذرت المنظمة الدولية من احتمال ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك التهجير القسري لمئات الآلاف من المدنيين، ودعت جميع الأطراف إلى خفض التصعيد فوراً وإعطاء السلام فرصة حقيقية.
غارات إسرائيلية متواصلة تستهدف المدنيين والمناطق السكنية
جددت إسرائيل غاراتها الجمعة على لبنان مستهدفة مناطق سكنية في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع والمناطق الجنوبية. حذر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام من “كارثة إنسانية” ستنجم عن موجات النزوح الجماعي والتهجير القسري.
قالت رافينا شامدساني، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إن “الأثر المدمر لهذا النزاع المتجدد بات جلياً، إذ يدفع المدنيون ثمناً باهظاً”. حذرت من تصعيد خطير في الصراع وطالبت الأطراف المتحاربة بـ “التراجع عن شفير تصعيد خطير لهذا النزاع في لبنان”.
استهداف المباني السكنية وقتل الأطفال والنساء
وثقت الأمم المتحدة عدداً من الهجمات المباشرة على المناطق السكنية أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح. قُتل ثمانية أشخاص على الأقل في غارة على مبنى سكني في بعلبك الأربعاء، من بينهم ثلاث فتيات وامرأتان. كما أسفرت غارة جوية على منطقة النبطية الخميس عن مقتل عائلة بأكملها مكونة من أربعة أفراد.
قالت شامدساني إن “يجب إجراء تحقيقات فورية وشاملة، ولا سيما لتحديد ما إذا كانت هذه الهجمات قد احترمت مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات”. تعكس هذه الانتهاكات المحتملة قصوراً واضحاً في الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
أوامر إخلاء إسرائيلية واسعة النطاق تهجر مئات الآلاف
حذرت الأمم المتحدة من أن “عمليات التوغل البرية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وأوامر الإخلاء الشاملة لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع والمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وغاراتها الجوية المتواصلة، تزيد من معاناة السكان المدنيين المنهكين”.
شملت أوامر الإخلاء والإنذارات، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، أكثر من مئة بلدة وقرية لبنانية يقطنها عشرات الآلاف من السكان. طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء نحو كامل الضاحية الجنوبية لبيروت، مما أثار “الخوف والذعر بين السكان”، وكذلك في منطقة البقاع الشرقية.
التهجير القسري انتهاك واضح للقانون الدولي
حذرت شامدساني من أن “مئات الآلاف قد تضرروا الآن من أوامر الإخلاء الإسرائيلية هذه”، مشددة على أن هذه الإجراءات “قد ترقى إلى مستوى التهجير القسري المحظور” بموجب القانون الدولي الإنساني. ينص القانون الدولي بوضوح على أن “إبعاد أو نقل السكان المدنيين بشكل قسري يشكل جريمة حرب”.
تعتبر عمليات الإخلاء الجماعية القسرية انتهاكاً مباشراً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحمي السكان المدنيين في أوقات النزاع المسلح. يشكل التهجير القسري جريمة حرب بموجب القانون الدولي الجنائي.
مفوض الأمم المتحدة يطالب بتحقيق شفاف في غارة مدرسة إيران
طالب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الجمعة الولايات المتحدة بـ “الإسراع” في إجراء “تحقيق شفاف ونزيه” في الغارة التي استهدفت مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية.
حملت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الضربة التي وقعت يوم السبت، أول أيام الحرب، معلنة سقوط أكثر من 150 قتيلاً، معظمهم من الأطفال والطالبات. لم تعلن واشنطن أو تل أبيب المسؤولية المباشرة، لكن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أعلن الإثنين أن البنتاغون “يحقق في المسألة”.
استهداف واضح لمؤسسة مدنية محمية بموجب القانون الدولي
ندد تورك بـ “هذا الحادث المأساوي للغاية”، شدداً على أن المدرسة “هي بوضوح مؤسسة مدنية لا ينبغي مهاجمتها أبداً” بموجب القانون الدولي الإنساني. أشار إلى عوامل محددة تدعو للقلق الشديد:
التوقيت المريب: وقعت الغارة في ساعات الصباح المبكرة، في الوقت الذي يرجح وجود عشرات الأطفال والطالبات داخل المدرسة.
نوع الأسلحة المستخدمة: طبيعة الذخائر والمتفجرات المستخدمة أسفرت عن إصابات جماعية هائلة.
عدم وجود مبرر عسكري واضح: لا توجد أهداف عسكرية شرعية لاستهداف مؤسسة تعليمية للأطفال.
قال تورك بحزم “هناك درس مروع، مأساوي، ينبغي استخلاصه حين يتم قتل فتيات بهذه الطريقة”.
المحاسبة الفورية والمراجعة الشاملة للبروتوكولات العسكرية
طالب تورك بأكثر من مجرد “ضمانات بعدم تكرار ذلك”، بل بـ “مراجعة شاملة لكل آليات العمل المعيارية حين يتعلق الأمر بمثل هذه المسائل”. أكد على ضرورة:
محاسبة فورية: يجب تحديد المسؤولين وتقديمهم للعدالة الدولية.
جبر الضرر: حقوق الضحايا وأسرهم في التعويض والعدالة الانتقالية.
إصلاح البروتوكولات: تعديل القوانين العسكرية والإجراءات التشغيلية لمنع استهداف المؤسسات المدنية.
أوضح تورك أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان واجه عقبات حقيقية في الوصول إلى معلومات دقيقة “إذ لا وجود له داخل إيران، وفي ظل الانقطاع المستمر للإنترنت الذي يجعل من الأصعب الحصول على معلومات”. ختم بقوله “يقع الآن على عاتق الذين نفذوا هذه الضربات أن يقودوا مثل هذا التحقيق” مضيفاً “نتوقع المحاسبة”.
حزب الله يطلق صواريخ بالتوازي مع الغارات الإسرائيلية
وسط الغارات الإسرائيلية الكثيفة على لبنان، يواصل حزب الله إطلاق وابل من الصواريخ على إسرائيل مستهدفاً مناطق سكنية في شمال ووسط البلاد. أسفرت هذه الهجمات عن إصابة ثلاثة أشخاص على الأقل.
شددت الأمم المتحدة على أن “حزب الله يواصل إطلاق وابل من الصواريخ على إسرائيل، مستهدفاً مناطق سكنية”، مشيرة إلى أن هذا الأمر يثير “مخاوف جديدة بشأن الهجمات العشوائية على المدنيين”.
يعكس التصعيد المتبادل بين الطرفين تطوراً خطيراً نحو حرب إقليمية شاملة تجتاح طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية، مع تراجع سريع في احتمالات الحلول السياسية والدبلوماسية.
مبادئ القانون الدولي الإنساني المنتهكة في النزاع
طالبت الأمم المتحدة بتحقيقات فورية وشاملة “ولا سيما لتحديد ما إذا كانت هذه الهجمات قد احترمت مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات”. تشكل هذه المبادئ الثلاث أساس القانون الدولي الإنساني:
مبدأ التمييز (Distinction): يلزم المتحاربين بالتفريق الواضح والحازم بين الأهداف العسكرية المشروعة والمنشآت المدنية المحمية. استهداف المدارس والمستشفيات والمنازل السكنية والمزارع ينتهك هذا المبدأ بشكل مباشر وصريح.
مبدأ التناسب (Proportionality): يشترط عدم استخدام قوة عسكرية تتجاوز الضرورة العسكرية. قصف بأكمله تجمعات سكنية وحيّ بكامله للقضاء على هدف عسكري محدود يخل بهذا التوازن الضروري.
مبدأ الاحتياطات (Precautions): يلزم الأطراف باتخاذ كل التدابير الممكنة والعملية لتجنب إصابة المدنيين وحماية الممتلكات المدنية. عدم إخلاء السكان مسبقاً أو إصدار تحذيرات كافية يعتبر إهمالاً فادحاً في الاحتياطات الواجبة.
دعوات الأمم المتحدة الملحة لخفض التصعيد والسلام الفوري
أطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان نداء حماسياً في اليوم السادس من الحرب يطالب جميع الأطراف بالتوقف الفوري عن القتال. قال فولكر تورك للصحافيين:
“على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي والمزيد من القصف والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد”.
أضاف “أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع”.
تحذيرات من الفوضى الإقليمية والآثار الاقتصادية المدمرة
حذر تورك من أن هذه الحرب “جرّت قوى عالمية وأحدثت اضطراباً في قطاعي الطاقة والنقل العالميين، ونشرت الفوضى حتى في مناطق كانت تنعم بالسلام في هذه المنطقة المضطربة”.
أعرب عن قلق خاص حول تطورات الأوضاع في لبنان، معتبراً أنه “يتحول إلى بؤرة توتر رئيسية”. قال “أشعر بقلق بالغ إزاء التطورات الأخيرة عقب هجمات حزب الله على إسرائيل، وردّ إسرائيل العنيف، فضلاً عن أوامر الإخلاء الواسعة التي أجبرت مئات آلاف الأشخاص على الفرار من ديارهم”.
نداء عاجل لوقف الأعمال الحربية على الفور
أطلق تورك نداء عاجلاً قال فيه “أدعو إلى وقف فوري للأعمال الحربية”. شدد على ضرورة “التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين”.
دعا الدول الكبرى والقوى الإقليمية إلى التدخل الفوري والفعّال لإيقاف الحرب، مشدداً على أن الوقت ينفد والخسائر الإنسانية تتزايد يومياً.
الأمم المتحدة تحذر من الاستهزاء بالقانون الدولي والقيم الإنسانية
أسف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إزاء “زرع البلبلة حول القانون الدولي” و”استهزاء البعض علناً بالقيم الأساسية لإنسانيتنا المشتركة”. رأى تورك أن الحرب الجارية تمثل تراجعاً خطيراً وغير مقبول عن معايير الحماية الدولية المتفق عليها.
دعوة عالمية صريحة للالتزام بالقانون الدولي
دعا “رؤساء الدول والحكومات في أنحاء العالم إلى الالتزام بشكل قاطع بالدفاع عن”:
القانون الدولي لحقوق الإنسان والالتزام بحماية الكرامة الإنسانية
القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربع
ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه النبيلة في حفظ السلام
قال تورك بقوة وحزم “لا يمكننا تحمل المزيد من بؤر التوتر”، في إشارة واضحة إلى أن استمرار الصراع سيفتح أبواباً خطيرة لانتهاكات إنسانية بلا حدود وسباق تسلح إقليمي لا يمكن السيطرة عليه.
Conclusion:
تقف الأمم المتحدة في موقف معقد وحرج، حيث تطالب من جهة بتحقيقات فورية في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي بينما تتطور الحرب بسرعة مرعبة على الأرض. فشل المجتمع الدولي حتى الآن في احتواء النزاع الإسرائيلي الإيراني والإقليمي الأوسع، مما أدى إلى توسيع مأساوي للدمار وارتفاع الخسائر المدنية بشكل مقلق. تبقى الدعوات المتكررة من الأمم المتحدة للسلام والمحاسبة والالتزام بالقانون الدولي في معظمها حبراً على ورق بدون آليات تنفيذية فعلية أو ضغط دولي حازم يوقف العنف والتدمير.






